
شيرين رفعت راسها وعينيها كانت حمرا زي الدم: “الصـ . ـدمة إني لما كلمتك في التليفون يوم الثلاثاء الصبح عشان أطمن عليك، أنت رديت عليا عادي من الإسكندرية! وقلتلي إنك في الشغـ . ـل والشبكة وحـ . ـشة وهتقفل! وقتها أنا صـ . ـرخت وبصيت تحت السلم… لقيت الراجل ده لسه قاعد هنا ومبيتحركش! مكنتش عـ . ـارفة أصدق مين؟ أصدق اللي بيكلمني في التليفون وصوته طبيعي وعـ . ـارف كل تفاصيلنا؟ ولا أصدق اللي قاعد تحت في البدروم وشبهك بالملّي ومبيتكلمش مع حد؟!”
الكلام كان بينزل على وداني زي مية النـ . ـار.
بصيت للراجل اللي في الركن، لقيت دمـ . ـوعه بتنزل، وبدأ يتكلم وهو بيترعش:
“شيرين… أنا طارق جوزك… والله العظيم أنا طارق! أنا سافرت الإسكندرية، بس الميكروباص عمل حـ . ـادثة وتقلب بينا على الصحراوي… أنا مش فاكر حاجة من بعد الحـ . ـادثة غير إني صحيت لقيت نفسي بجري في الضلمة لحد ما وصلت هنا… جيت استخبى في بيتي، بس من ساعتها وأنا بشوف حاجات مرعـ . ـبة… بشوف نفسي داخل وخارج، وبشوفك بتتكلمي في التليفون مع واحد تاني… أنا افتكرت نفسي مت وبقيت شبـ . ـح، أو إني اتجـ . ـننت!”
أنا رجعت لورا خطوة… الحـ .
ـادثة؟ ميكروباص؟
فجأة، شـ . ـريط ذكريات غريب بدأ
يمر قدام عيني زي الفلاشات… أنا فعلاً ركبت الميكروباص… وكان فيه مطر… وصوت فرامل عالي أوي… وصـ . ـرخات… وبعدها… بعد كده مفيش! أنا صحيت لقيت نفسي واقف على طريق مصر الإسكندرية الصحراوي، والجو كان شمس، وركبت عربية تانية ورجعت القاهرة!
أنا مسكت دماغي اللي كانت هتنفجـ . ـر. بصيت على إيدي… مكنش فيها أي أثر لخدش. بس لما ركزت في نفسي… أنا مكنتش حاسس بضـ . ـربات قلبي فعلاً! أنا كنت فاكر إنها زي الطبل البلدي من الخـ . ـوف، بس لما حطيت إيدي على صدري… مكنش فيه نبض! مفيش أي حركة!
”شيرين…” صوتي طلع غريب، وواطي أوي.
“أنتِ… أنتِ كلمتيني في التليفون يوم الثلاثاء؟”
شيرين هزت راسها وهي بتعيـ . ـط: “آه… كلمتك وأنت رديت عليا.”
أنا طلعت موبايلي من جيبي وبصيت فيه… الشاشة كانت مطفية، ولما حاولت أفتحها مكنتش بتنور. مكنش فيه شبكة، ومكنش فيه شحن، الموبايل كان ميـ . ـت تماماً!
في اللحظة دي، الراجل اللي في الركن (طارق الحقيقي) وقف على رجله بصعوبة، وبدأ يقرب مني وهو بيشاور عليا بصـ . ـابع بيترعش:
“أنت مش بني آدم… أنت إيه؟ أنت اللي طلعتلي من الحـ . ـادثة؟ أنت الحاجة اللي خدت مكاني وحياتي؟!”
النور الضعيـ .
ـف اللي جاي من الشباك بدأ يتغير، والشمس اللي كانت منورة الصالة فوق بدأت تغيب فجأة والضلمة تزيد.
أنا بدأت أشوف ملامحي في المراية القديمة المكسورة اللي كانت متعلقة على حيطة البدروم… وشي بدأ يتغير… الملامح بدأت تسيح وتتحـ . ـول لشيء مبهم، ملوش ملامح واضحة، مجرد خيال أسود بياخد شـ . ـكل طارق!
أنا مكنتش طارق اللي رجع من السفر… أنا كنت “الشيء” اللي رجع مكان طارق!
الحـ . ـادثة حصلت فعلاً، وطارق الحقيقي هرب وجري على بيته وهو مصـ . ـدوم ومصـ . ـاب ومحبـ . ـوس في رعـ .
ـب البدروم مش فاهم حاجة… وأنا… أنا الكيان اللي اتغدّى على ذكرياته وخـ . ـوفه، ولبس شـ . ـكله، ورجع لبيته ومراته وبنته عشان يعيش حياته مكانه!
بنتي “جـ . ـنا”… الأطفال بيشوفوا اللي الكبار مبيشوفوهوش. البنت لما شافتني فوق، حست بغربتي، ولما شافت أبوها تحت، عرفت إن فيه “بابا التاني”.
شيرين صـ . ـرخت صـ . ـرخة هزت أركان البيت لما شافت شـ . ـكلي وهو بيتغير في الضلمة، وجريت على الركن واستخبت ورا طارق الحقيقي وهي بتمـ . ـوتمن الرعـ . ـب.
أنا وقفت في نص البدروم، باصص لإيديا اللي بقت عبارة عن خيالات سودا بتتحرك زي الدخان. كنت حاسس بذكريات طارق جوة دماغي: حبّه لشيرين، فرحته بجـ . ـنا، تعـ . ـبه في الشغـ . ـل… كل حاجة كانت جوايا وكأنها بتاعتي، أنا حبيت العيلة دي في الكام ساعة اللي قعدتهـ . ـم معاهم فوق! كنت عايز أفضل “طارق”!
بصيت لطارق الحقيقي اللي كان حاضن مراته وبيتنفض من الخـ . ـوف، وبصيت لشيرين اللي كانت بتبصلي وكأني شيـ . ـطان رجيم.
حسيت بحـ . ـزن غريب وعميق… أنا مش مكاني هنا. الحياة دي مش بتاعتي.
رجعت لورا بضهري، وبدأت أطلع سلم البدروم خطوة خطوة وأنا باصص ليهم في الضلمة. طلعت الصالة فوق، لقيت “جـ . ـنا” قاعدة على الكرسي، ماسكة الدبدوب “سـ . ـمسـ . ـم” وبتبصلي بعيونها الواسعة البريئة.
قربت منها، ملامحي الدخان عادت تتشـ . ـكل تاني عشان تبان زي وش باباها لأخر مرة. نزلت لمـ . ـستواها وبست راسها، وقلت لها بصوت دافي:
“جوجو… بابا التاني هيقعد معاكم علطول… متخـ . ـافيش.”
البنت ابتسـ . ـمت وقالتلي: “وأنت يا بابا؟”
قلت لها وأنا بختفي بالتدريج وبتحـ . ـول لدخان بيطير في هوا الشقة:
“أنا كنت مجرد ضيف… وماشي.”
فتحت باب الشقة وخرجت، ومع خطوتي برة العتبة، اختفيت تماماً وكأني مكنتش موجود. ونزل طارق الحقيقي من البدروم لحـ . ـضن مراته وبنته، عشان يبدأوا يلموا شتات نفسهم بعد أسبوع من الرعـ . ـب… أسبوع عاشوا فيه مع “بابا التاني”.