
حمـ . ـاتي دخلت أوضتي وأنا في الشغـ . ـل، ولمّت هدومي كلها في شـ . ـكاير زبالة ولما رجعت وسألتها بتعملي إيه، قالتلي بجهز الشقة لمرات ابني الجديدة. اسـ . ـمي ندى. ومتجوزة من محمود بقالي 9 سنين. وفي اللحظة دي حسيت إن الأرض انسحبت من تحت رجلي. بصيت حواليّا وأنا مش مصدقة اللي شايفاه. دولابي مفتوح. هدومي كلها متكومة جوه شـ . ـكاير سودة. حتى صور فرحي والبرفانات والحاجات الشخصية اللي بعتبرها جزء من حياتي كانت مرمية كأنها شوية حاجات ملهاش قيمة.
بصيت لحمـ . ـاتي وقلت بصوت مخنـ . ـوق: “إيه اللي بتعمليه ده؟” ردت بكل برود وهي بتقفل آخر شيكارة: “بجهز الشقة. مرات محمود الجديدة أولى بالمكان ده.” ضحكت ضحـ . ـكة عصبـ . ـية من الصـ . ـدمة. افتكرتها بتهزر. أو بتحاول تستفزني زي كل مرة. لكن ملامح وشها كانت جدية بشـ . ـكل مرعـ . ـب. قلت: “مرات محمود الجديدة مين؟! محمود متجوزني أنا.” قالت وهي رافعة حاجبها: “دلوقتي لكن مش كتير.”
وفي اللحظة دي سـ . ـمعت صوت مفتاح الباب. محمود رجع من الشغـ . ـل. جريت عليه وأنا مستنية منه يكـ . ـذب الكلام كله. لكن أول ما شاف الشـ . ـكاير… وطأطى راسه. قلبي وقع. قلتله: “قولها إنها بتخـ . ـرف قولها إن ده مش حقيقي.” سكت ثواني. وبعدين قال: “يا ندى الموضوع كان لازم تعرفيه.” حسيت إن نفسي اتقطـ . ـع. وقعدت على أقرب كرسي. محمود كمل كلامه: “أمي عرفتلي بنت مناسبة وأنا بفكر أتجوز.”
“تفكر؟! بعد 9 سنين جواز؟!” حمـ . ـاتي اتدخلت بسرعة: “وإيه يعني؟ الشـ . ـرع محلله أربعة.” بصيت لها وقلت: “والشـ . ـرع محلل الظلـ . ـم؟” لكنها تجاهلتني. وكأن وجودي أصلًا بقى حاجة مؤقتة. وقتها قمت بهدوء. مش صريخ. ولا عياط. ولا خنـ .ـاق. فتحت
درج الكومودينو. وطلعت ملف أزرق. أول ما حمـ . ـاتي شافته اتغير لون وشها. لأن الملف ده كان فيه كل الأوراق اللي محدش في البيت غيري يعرف عنها حاجة.
وقفت ندى في مكانها، وقلبها كان يدق بعنـ . ـف، لكنها حاولت تتماسك قدر الإمكان. رفعت الملف الأزرق بيدها، وبدت عليه علامـ . ـات القدم، وكأنه محفوظ بعناية لسنوات طويلة. أول ما وقـ . ـعت عينا حمـ . ـاتها، الحاجة فاطمة، على الملف، تجمدت حركتها تماماً. الابتسامة الساخرة التي كانت على وجهها اختفت فجأة، وحل محلها نظرة ارتباك وقلـ . ـق لم تظهرها من قبل.
تراجعت الحاجة فاطمة خطوة للوراء، ويدها ارتعشت وهي تضع الشيكارة التي كانت تمسكها على الأرض، وقالت بصوت متقطـ . ـع، يكاد يختنق: “إيه ده؟ إيه اللي معاكي ده؟ ومنين جبتيه؟” لم ترد ندى عليها مباشـ . ـرة، بل التفتت ببطء نحو محمود، الذي كان واقفاً بجانب الباب، وعلى وجهه علامـ . ـات حيرة وعدم فهم. نظرت إليه بعينين مليئتين بالحـ . ـزن والخذـ . لان، وقالت بصوت هادئ لكنه يحمل قوة وثقة غريبة:
“ده الملف اللي احتفظت بيه لمدة 9 سنين يا محمود. من أول يوم دخلت فيه البيت ده. كنت فاكرة إنه سر عائلي كبير، وإن إظهاره هيسبب شـ . ـرخاً لا يمكن إصلاحه، فقررت أخبيه، وأحاول أعيش حياتي، وأثبت لكم إنني بنت أصل، وإنني أستحق الاحترام. لكن للأسف، أنتم قررتوا إنكم تمشوني من غير أي حق، وتهينوني في بيتي، وتعاملوني كأنني عفش زائد يمكن التخلـ . ـص منه في أي وقت. فحان الوقت تعرفوا الحقيقة كاملة.”
خطت ندى خطوات بطيئة نحو الطاولة الكبيرة في وسط الصالة، ووضعت الملف عليها بعناية، وكأنها تضع أمانة طالما حافظت عليها. ثم التفتت إليهما معاً، وقالت: “افتحوه وشوفوا
محتواه. واعرفوا إيه الفرق بين الحق والباطل، وبين الشـ . ـرع والظلـ . ـم. قلتوا إن الشـ . ـرع حلل أربعة، صح؟ لكن نسيتوا إن الشـ . ـرع أمر بالعدل، وحرم الظلـ . ـم، واعتبره من أعظم الذنـ . ـوب. واللي بتعملوه ده مش جواز، ده محاولة لطـ . ـرد إنسانة وتجريدها من حقوقها.”
اقترب محمود ببطء، وعيناه لا تفارقان الملف. شعر بشيء غريب يخبره إن ما في هذا الملف قد يغير مجرى حياته كلها. مد يده المرتعشة، وفتح الغـ . ـلاف الجلدي القديم، وبدأ يقلب الأوراق واحدة تلو الأخرى.
كانت الأوراق صفراء قليلاً من مرور الزمن، لكن الكتابة عليها واضحة جداً، ومختومة بأختام رسـ . ـمية قديمة. في البداية، بدا عليه الارتباك، ورأى شهادات ميلاد، وعقود إيجار، وكتابات بخط يد لا يعرفه. لكن عنـ . ـدما وصل إلى ورقة مميزة، مكتوبة بخط كبير ومصدقة من جهة رسـ . ـمية، توقف فجأة. قرأ السطور بصوت خـ . ـافت، وكأن عينيه لا تصدق ما تقرأ. نظر إلى أمه، ثم عاد لينظر إلى الورقة مرة أخرى، وقال بصوت يكاد لا يسـ . ـمع:
“إيه الكلام ده؟ مكتوب هنا إن لأبوي زوجة أولى، وولدين منها؟ يعني ليا إخوة أكبر مني؟” اقتربت الحاجة فاطمة بسرعة، ومدت يدها لتسحب الورقة، لكن محمود أمسكها بيده، وقرأ بصوت أعلى قليلاً: “في سنة 1975، تزوج الحاج إبراهيم والده من السيدة زينب، ورزق منها بطفلين، سـ . ـماهما كريم وسليم. وفي سنة 1980، توفيت السيدة زينب في حـ . ـادث سير، وتركتهـ . ـما صغيرين…” لم يستطع إكمال القراءة، ورفع نظره نحو أمه، وقال بصوت مليء بالصـ . ـدمة:
“إيه ده يا أمي؟ الكلام ده صحيح؟ أبوي كان متزوج قبلك؟ وعنده ولدين؟ وإنتِ عـ . ـارفة وكنتِ مخبية عليا وعلى الكل؟” غطت الحاجة فاطمة فمها بكلتا يديها، وبدأت ملامحها تتغير، وتحـ . ـولت من الثقة والغـ . ـرور إلى الخـ . ـوف والارتباك. تراجعت إلى الـخلف، وجلست على أقرب كرسي، وقالت بصوت مرتعش:
“ده ده كلام قديم، ومش مهم مـ . ـاتوا ومحدش يعرف عنهم حاجة…” قاطعتها ندى بثبات، وأشارت إلى ورقة أخرى في الملف، وقالت:
“مـ . ـاتوا؟ لا يا طنط. الأوراق دي بتقول إن الجد إبراهيم خـ . ـاف على سـ . ـمعته، وخـ . ـاف إن الميراث يتقسـ . ـم، فقررت يرسل الولدين ليعيشوا مع أقارب بعيدين في بلد تانية، وادعى أمام الناس كلهم إنهم مـ . ـاتوا مع أمهم. وكل ده مسجل هنا، بخط يده، ومصدق عليه من شيخ البلد في الوقت ده.” اقتربت ندى من الطاولة، وأشارت إلى وثيقة كبيرة ومختومة بختم حكومي قديم، وقالت: “وهذه هي الوصية السرية التي كتبها الجد إبراهيم قبل وفـ . ـاته بسنة. اقرأها يا محمود، وشوف مكتوب إيه.”
أخذ محمود الوثيقة، وبدأ يقرأ بتركيز شديد، وكل كلمة كان يقرأها تزيد من دهشته وحـ . ـزنه:

