
فاكرين لما ض.ربني وقطعلي طرحة فرحي إنه كسرني قدام الناس؟ ميعرفش إن النز.يف اللي في شفتي ده هو أول مسمار في نعشه ونعش عيلته كلها!
مشيت في ممر القاعة وشفتي مفتوحة وبتنزف وطرحة فستاني متبهدلة ومقطوعة، عريسي سامح كان واقف وسط صحابه بيبتسم بكل برود وثقة ويبصلي بنظرة شماتة، وسمعته وهو بيميل على صاحبه الانتيم وبيقوله بصوت واطي كانت محتاجة قلم يفوقها ويعرفها مقامها من أولها عشان تفتكر دايماً مين الراجل هنا، القاعة كلها اللي كانت مليانة معازيم من قرايبنا ومن كبار البلد صدمتهم لجمت لسانهم، الهمس والوشوشة بدأوا يعلوا في المكان، الكل عينه عليا وعلى شكل الضحية اللي داخلة برجلها لبيت جحيمها، لكن محدش فيهم كان فاهم النظرة اللي في عيني، ومحدش فيهم لمح الابتسامة المستخبية ورا الوجع، ولا حد عرف السر المرعب اللي أنا
شايلاه في قلبي وجاية أهدهم بيه في ليلتهم دي، المأذون كان قاعد ومجهز الدفاتر، والكل مستني دموعي أو إني أصوت وأجري، ميعرفوش إني وافقت أدخل القاعة بالمنظر ده بالذات عشان الكل يشهد على نهايتهم، الخطوة اللي جاية مفيهاش تراجع، والكلبشات اللي هتترمي في إيد العريس وأمه جاهزة ورا الباب، والسر اللي هقوله في المايك حالا هيدمر اسم العيلة دي للأبد.
مسكت المايك بإيد ثابتة رغم إن الدم كان لسه نازل من طرف شفايفي.
القاعة كلها سكتت.
حتى الموسيقى وقفت.
سامح كان واقف مكانه ومبتسم ابتسامة المستقوي اللي فاكر إنه انتصر.
بصيت له ثواني طويلة.
وبعدين قلت
قبل ما المأذون يبدأ… أنا عندي كلمة صغيرة.
همهمات خافتة انتشرت بين المعازيم.
أم سامح قامت من مكانها وقالت بعصبية
مش وقته الكلام ده يا بنتي.
ابتسمت.
بالعكس… ده أنسب وقت.
بصيت للحضور.
كلكم شفتوا شكلي دلوقتي. كلكم شفتوا العريس وهو ضاربني قبل كتب الكتاب بدقائق.
سامح ضحك بسخرية.
إيه يعني؟ خناقة واتلمت.
رفعت حاجبي.
اتلمت؟
ثم رفعت هاتفي.
طب نشوف.
ضغطة واحدة على الشاشة.
فجأة اشتغلت السماعات الكبيرة الموجودة في القاعة.
وطلع صوت سامح واضح كالشمس.
تسجيل كامل.
صوته وهو بيتكلم مع صاحبه قبل الفرح بأسبوع.
الجوازة دي مصلحة مش أكتر.
تجمدت الابتسامة على وشه.
والقاعة كلها انتبهت.
التسجيل كمل.
أبوها عنده الأرض اللي احنا محتاجينها. أول ما كل حاجة تتكتب باسمي هخليها تعيش زي الخدامة.
صمت ثقيل وقع على المكان.
أمه قامت واقفة.
اقفلي التسجيل ده!
لكن التسجيل مكمل.
ولو فتحت بقها؟
وجاوب سامح ضاحكاً
أنا بعرف أربي الستات.
الصدمة كانت مرسومة على وشوش الناس.
رجال كبار كانوا بيهزوا راسهم بعدم تصديق.
ستات من القرايب حطوا إيديهم على بقهم.
أما سامح فكان لونه بيتحول للأصفر.
بصيت له بهدوء.
وقلت
ده أول تسجيل.
ثم ضغطت مرة تانية.
ظهر
فيديو على الشاشة.
سامح داخل أحد المكاتب مع محامٍ.
وبيتكلم عن عقود مزورة وتجهيز أوراق لنقل ممتلكات بعد الجواز.
الفيديو كان واضح.
والأصوات أوضح.
هنا بدأ العرق ينزل من جبينه.
أمه جريت ناحيتي وهي بتصرخ
إنتي بتلفقي!
لكن قبل ما توصل لي…
اتفتح باب القاعة.
ودخل عدة رجال بملابس رسمية.
كل واحد فيهم معاه ملف.
واحد منهم قال بصوت قوي
الأستاذ سامح محمود؟
سامح لف ناحيته مرتبك.
نعم؟
الرجل أخرج كارنيه رسمي.
حضرتك مطلوب للتحقيق في عدة بلاغات تخص تزوير واستيلاء على ممتلكات.
القاعة انفجرت.
الناس قامت من أماكنها.
الهمهمات بقت صراخ.
وأم سامح بدأت تصوت وتولول.
لكن المفاجأة الأكبر لسه ما جتش.
رفعت المايك مرة تانية.
وقلت
وفي حاجة أخيرة.
الكل سكت.
حتى الرجال الواقفين عند الباب بصوا ناحيتي.
أخرجت ظرفاً أبيض من شنطتي.
من شهرين واحدة ست كبيرة جاتلي البيت.
الأنظار كلها اتعلقت بيا.
كانت مرات أبو سامح الأولى.
القاعة اتجمدت.
أم سامح شهقت.
عرفت فوراً أنا بتكلم عن مين.
فتحت الظرف.
وأخرجت أوراق وتقارير قديمة.
الست دي كانت ساكتة سنين. لكن قبل ما تمو.ت سجلت شهادتها كاملة.
ثم شغلت مقطعاً أخيراً.
صوت سيدة مسنة خرج من السماعات
إلهام وابنها دمروا حياة ناس كتير. وأنا ساكتة من الخوف. لكن ربنا شاهد على كل كلمة.
أم سامح وقعت على الكرسي.
وشها بقى شاحب.
والثقة اللي كانت مالية عينيها اختفت تماماً.
بعد دقائق قليلة…
كان سامح بيتاخد خارج القاعة وسط ذهول الجميع.
وأمه ماشية وراه منهارة.
الناس اللي كانوا من شوية بيطبلوا للعيلة الكبيرة بقوا بيبعدوا عنهم كأنهم مرض معدي.
أما أنا…
فوقفت وحدي في منتصف القاعة.
الدم جف على شفتي.
والطرحة المقطوعة كانت لسه على كتفي.
أبويا قرب مني.
عينه كانت مليانة دموع.
وقال
يلا نمشي يا بنتي.
بصيت حواليّ.
للكوشة.
للورد.
للكراسي.
للحلم اللي مات قبل ما يبدأ.
الغريب إني ما كنتش زعلانة.
ولا حتى ندمانة.
حسيت براحة عمر ما حسيتها.
مسكت إيد أبويا.
ومشينا.
خارج القاعة.
وخارج حياتهم كلها.
بعد سنة كاملة…
كنت قاعدة في مكتبي الجديد.
شغلي نجح.
وحياتي استقرت.
والناس بطلت تفتكرني كعروسة اتفضحت يوم فرحها.
وبدأت تفتكرني كبنت وقفت تدافع عن نفسها في الوقت اللي الكل طلب منها تسكت.
أما سامح…
فخسر سمعته وشغله ومعظم الناس اللي كانوا حواليه.
وأمه عاشت باقي عمرها وهي بتحاول تصلح صورة مستحيل تتصلح.
وفي يوم وأنا راجعة البيت…
لقيت رسالة قديمة وصلتني.
من رقم سامح.
مكتوب فيها
أنا خسرت كل حاجة.
بصيت للشاشة ثواني.
ثم مسحت الرسالة.
وحطيت التليفون في الشنطة.
وكملت طريقي.
لأن بعض النهايات مش محتاجة رد.
وبعض الناس أعظم عقاب ليهم إنك تسيبهم يعيشوا مع نتائج أفعالهم. رفعت وشي للسما.
وأخذت نفساً عميقاً.
وافتكرت لحظة دخولي القاعة وأنا نازفة ومكسورة من بره.
لكن الحقيقة…
إني كنت أقوى واحد موجود فيها.
تمت.

