منوعات

اختي قالت لأهلي

أختي قالت لأهلي إني سبت كلية الطب وطُردت منها كدبة واحدة خلتهم يقطعوا علاقتهم بيا خمس سنين. ماحضروش تخرجي، ولا فرحي ولما دخلت المستشفى الشهر اللي فات، أول ما شافوا الدكتورة المسؤولة عنها، أمي مسكت دراع أبويا لدرجة إنها علمت فيه.
أول مرة أمي شافتني بعد خمس سنين
كنت واقفة تحت نور أوضة الطوارئ، وإيديا كلها ډم أختي.
أول ما عينيها وقعت على اسمي، مسكت دراع أبويا بقوة لدرجة إن صوابعها سابت علامات زرقا.

الممرضة قالت
يا دكتورة بسمة
من غير ما أرفع عيني عن الملف، قلت بسرعة
المړيضة عندها 32 سنة ألم شديد في البطن، ضغطها بينزل، جهزوا العمليات فورًا.
أختي دينا كانت نايمة على الترولي، وشها أصفر، وبتتنفس بصعوبة.
أول ما شافتني
عينيها اتسعت.
وقالت بصوت ضعيف
بسمة؟
اللحظة دي
اتخيلتها ألف مرة.
في كل عيد قضيته لوحدي.
وفي كل مناسبة عائلية اتعملت من غير ما حد يعزمني.
كنت دايمًا أتخيل إني هقف قدامها وأقول كلام يوجـ,ـعها زي ما وجـ,ـعتني.
لكن الحقيقة
ماكانش عندي وقت لأي كلام.

قلت للممرضين بسرعة
اشتباه حمل خارج الرحم وانفجار داخلي اعملوا سونار حالًا.
من خمس سنين
دينا كلمت أمي وأبويا وأنا بذاكر لامتحان الباثولوجي.
وقالت لهم إني اترفدت من كلية الطب.
وإني ڠرقت في ديون قمار.
وصرفت مصاريف الجامعة على علاقة مع دكتور متجوز.
ولا كلمة من دي كانت حقيقية.
أبويا كلمني مرة واحدة.
وقال
قوليلي إنها كدابة.
قلت وأنا بعيط
أقدر أثبتلك كلم عميد الكلية راجع الحسابات أرجوك.
لكن دينا كانت بټعيط في الخلفية.
وأمي قالت
إنتِ بتمثلي.

وأبويا قال
إحنا ما ربيناش بنت كدابة.
وفي نفس الليلة
وقفوا عني كل حاجة.
الإيجار.
المصاريف.
حتى التأمين الصحي.
بعتلهم إثباتات.
وشهادات قيد.
ونتايج الامتحانات.
لكن دينا كانت هي اللي بتستلم البريد.
خبّت كل الورق.
وعملت رسايل مزورة كأني بطلب منهم فلوس وبهددهم.
وصدقوها.
لأنها كانت دايمًا البنت المدللة.
اللي مهما غلطت
تطلع ملاك.
أما أنا
اشتغلت دروس خصوصية.
واستلفت.
ونمت ساعات قليلة.
لكن كملت.
اتخرجت
وماكانوش موجودين.
خلصت الامتياز
وبرضه ماحضروش.

وفي يوم فرحي
كان فيه كرسيين فاضيين في الصف الأول.
لحد ما عامل القاعة شالهم بهدوء.
جوزي أحمد، وهو محامي، عمره ما طلب مني أسامح ناس حتى ما حاولوش يعرفوا الحقيقة.
بالعكس
خلاني أحتفظ بكل جواب رجع.
وكل كشف مصاريف.
وكل دليل يثبت اللي حصل.
وأهم ورقة بينهم
كانت تخص ميراث جدي.
جدي كان عامل صندوق تعليم ليا ولدينا بالتساوي.
لكن اكتشفنا إن فلوس حصتي اتسحبت من سنين
بتوقيعات مزورة.
أحمد كان بالفعل مكلف محاسب قانوني يراجع كل حاجة.
وكنا مستنيين مستند واحد
عشان نرفع القضية.

دينا افتكرت إن سكوتي ضعف.
لكن الحقيقة
كنت بستعد.
أمي فضلت تبص على البالطو الأبيض.
وعلى الاسم المطرز عليه
د. بسمة عبد الرحمن
استشاري جراحة عامة.
قالت وهي مش مستوعبة
إنتِ بقيتي دكتورة؟
لأول مرة
رفعت عيني وبصيت لها.
وقلت بمنتهى الهدوء
أيوه بقيت دكتورة.
وبعدين بصيت على أختي اللي كانت پتنـ,ـزف على سرير الطوارئ، وقلت
ولو ما دخلتش العمليات دلوقتي ھتمـ,ـوت
فضلت أمي واقفة مكانها كأنها اتجمدت، وعينيها ما بتتحركش من على الاسم المكتوب على البالطو الأبيض.
د.

بسمة عبد الرحمن
الاسم اللي كانت مقتنعة من خمس سنين إنه انتهى.
أما أبويا، فكان باصص بيني وبين دينا كأنه مش فاهم هو في حلم ولا حقيقة.
لكن الحقيقة الوحيدة في اللحظة دي كانت إن أختي پتنزف.
قلت للممرضين بحزم
كل دقيقة بتضيع بتزود الخطړ… يلا.
بدأوا يجروا بالسرير ناحية العمليات.
دينا مدت إيديها ناحيتي وهي بتقول بصوت متقطع
بسمة… استني…
وقفت ثانية واحدة.
مش علشان أسمعها…
لكن علشان أتأكد إن المحاليل راكبة كويس وإن العلامات الحيوية مستقرة بالقدر اللي يسمح بنقلها.
بعدها قلت بهدوء
بعد العملية.

ودخلت معاهم.
…
أول ما باب العمليات اتقفل…
سكت كل صوت برا.
جوا الأوضة…
مافيش غير صوت الأجهزة.
وصوت الممرضات.
والتعليمات السريعة.
غسلت إيديا.
ولبست الجوانتي.
وزميلتي الدكتورة هناء بصتلي باستغراب.
وقالت بصوت منخفض
دي قريبتك؟
هزيت راسي.
أختي.
اټصدمت.
وأنتِ هتعملي العملية بنفسك؟
رديت بثبات
أنا أكتر واحدة عارفة حالتها.
سكتت.
لأنها كانت عارفة إني طول عمري بفصل بين شغلي وأي حاجة شخصية.
بدأت العملية.
والسونار كان توقعه صحيح.
حمل خارج الرحم اڼفجر بالفعل.

وكان فيه ڼزيف داخلي شديد.
كل دقيقة كانت بتفرق.
اشتغلنا بسرعة…
وبدقة.
بعد أكتر من ساعة…
قدرنا نسيطر على الڼزيف.
وخرجت من العمليات وأنا حاسة إن رجلي مش شيلاني.
مش من التعب…
لكن لأن أول مرة أشوف عيلتي بعد خمس سنين كانت بالشكل ده.
…
أول ما خرجت…
أمي قامت من مكانها بسرعة.
وقالت
هي عاملة إيه؟
بصيت في الملف.
وقلت بهدوء
العملية نجحت… والحمد لله وصلنا في الوقت المناسب.
أمي بدأت ټعيط.
وأبويا لأول مرة من سنين صوته طلع مكسور.

ربنا يجازيكي خير يا بنتي.
كلمة يا بنتي…
كانت أول مرة أسمعها منه من خمس سنين.
لكنها ما هزتش جوايا أي حاجة.
يمكن لأن الچرح كان أقدم من إنه يلتئم بكلمة.
قلت باختصار
هتدخل الرعاية ساعات لحد ما حالتها تستقر.
ولفيت أمشي.
لكن أمي نادت
بسمة…
وقفت.
سامحيني…
فضلت ساكتة.
قالت وهي پتبكي
إحنا ظلمناكي.
لفيت وبصيت لها لأول مرة بهدوء كامل.
وقلت
أنا دلوقتي في الشغل… والكلام ده مش وقته.
وسبتهم.
…
بعد ما خلصت النبطشية…
رجعت مكتبي.

أحمد كان مستنيني.
أول ما شاف وشي عرف إن اليوم كان أصعب من أي يوم.
ناولني كوباية القهوة.
وقال
شافوكي؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
كلهم.
وعرفوا؟
عرفوا.
سكت ثواني.
إيه اللي حصل؟
حكيتله كل حاجة.
من أول لحظة شافوني…
لحد اعتذار أمي.
فضل يسمع من غير ما يقاطعني.
وفي الآخر قال
والدليل وصل.
بصيتله بسرعة.
وصل؟
طلع ظرف بني من الشنطة.
وحطه قدامي.
المحاسب القانوني خلص المراجعة.
فتحت الملف.
كانت فيه كشوفات البنك.
وتوقيعات.
وصور شيكات.

وتقرير خبير خطوط.
وأهم ورقة…
إثبات إن التوقيع اللي اتسحب بيه نصيبي من صندوق جدي…
مزور.
وإن الحساب اللي اتحولت له الفلوس…
كان باسم…
دينا.
فضلت أبص للورقة وأنا مش مستوعبة.
قلت
يعني هي ما كذبتش بس…
هز راسه.
لا… سړقت كمان.
قعدت على الكرسي.
كل الأحداث بدأت تتركب قدام عيني.
لما كنت بطلب مصاريف الجامعة.
ويقولوا الفلوس خلصت.
لما كانوا يقولوا إن جدي ما سابش حاجة.
لما أمي كانت تكرر
إحنا صرفنا عليكي كتير.
دلوقتي فهمت.
كانوا مقتنعين إنهم صرفوا.

لكن الحقيقة…
إن حد تاني كان بياخد الفلوس.
…
قلت لأحمد
هنرفع القضية؟
قال
مش قبل ما نديهم فرصة يعرفوا الحقيقة كاملة.
استغربت.
بعد كل اللي حصل؟
ابتسم.
إحنا مش بننتقم.
إحنا بنخلي الحقيقة تتكلم.
…
بعد يومين…
اتصلت إدارة المستشفى.
وقالوا إن أهل دينا موجودين وطلبوا يشوفوني.
نزلت غرفة الزيارة.
دخلت.
لقيت أمي وأبويا قاعدين.
لكن المرة دي…
كان في إيديهم ملف.
أبويا قام أول ما شافني.
وقال
إحنا عرفنا إنك أنقذتي حياة أختك.

قلت بهدوء
ده واجبي.
مد الملف ناحيتي.
دي كل الورق اللي وصلنا بعد ما خرجت من العمليات.
فتحت الملف.
اتفاجئت.
كان فيه كل الشهادات اللي كنت باعتاها من سنين.
شهادات القيد.
نتائج الامتحانات.
خطابات الجامعة.
كلها مقفولة…
ولسه بأظرفها.
بصيت لأمي.
قالت وهي بټعيط
لقيناهم في أوضة دينا… مستخبيين في صندوق قديم.
ساعتها…
عرفوا إن كل جواب كنت ببعته…
عمره ما وصلهم.
لكن دي…
ما كانتش إلا بداية الحقيقة.

لأن الورقة اللي كانت في شنطة أحمد…
كانت هتكشف لهم حاجة…
ولا واحد فيهم كان مستعد يسمعها.
بعدما قفلت الملف، فضلت باصة للأظرف القديمة وكأن الزمن رجع بيا خمس سنين.
كل ظرف فيهم كان عليه تاريخ.
وكل تاريخ كان وراه ليلة كاملة من العياط والدعاء.
في واحد منهم كنت كاتبة بخط إيدي
يا أبي… لو مش عايز تكلمني، على الأقل اتصل بالكلية واسأل. الحقيقة مش هتزعلك، لكن الكدب هو اللي هيضيعنا.
الظرف كان لسه مقفول.
ولا حتى اتفتح.
رفعت عيني لأبويا.
كان ماسك الظرف بإيده وهو بيترعش.

قال بصوت مخڼوق
أنا… أنا ما شفتش أي حاجة من دي.
أمي اڼهارت في البكاء.
والله يا بنتي… أول مرة أشوفهم.
سكت شوية، وبعدين قلت بهدوء
أنا كنت ببعت جواب كل شهر تقريبًا. ولما محدش كان بيرد، كنت بقول يمكن لسه زعلانين… لكن عمري ما تخيلت إنكم أصلًا ما شفتوش ولا واحد منهم.
ماحدش عرف يرد.
لأن الحقيقة كانت أوضح من أي كلام.
…
في نفس الوقت…
كانت دينا في أوضتها بتفوق تدريجيًا من البنج.
أول سؤال سألته للممرضة كان
أهلي فين؟
قالت لها
برا.
وبسمة؟

خلصت شغلها.
سكتت دينا، لكن القلق كان باين في وشها.
كانت عارفة إن السر خلاص قرب يبان.
…
في مساء نفس اليوم…
رجعت البيت.
أحمد كان مجهز كل المستندات
على السفرة.
قال
بصي هنا.
فتح تقرير المحاسب القانوني.

السابقانت في الصفحة 1 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى