
انقبــ,,ـــــضت أنفاسي وأنا أراقب مؤشر التحميل على الشاشة السوداء، وصوت نقرات المطر على زجاج نافذة الغرفة يبدو كأنه دقات ساعة تنازلية تعلن نهاية الحياة التي عرفتها. في السر,,ـــــير المجاور، كان زوجي طارق يغط في نوم عميق، تنفسه المنتظم والهادئ كان يثير في نفسي رعباً متصاعداً لم أختبره من قبل. كيف يمكن لشخص ينام بهذه السکينة أن يكون محور تحذير مرعب كتبته ممرضة مجهولة بخط يد مرتعش؟
نظرت إلى الورقة المتكرمشة بجانب اللابتوب إوعي تثقي في جوزك… ثم عدت بنظري إلى الشاشة حيث انفتح ملف الفيديو الأول، لتبدأ الحكاية كاملة، بكل فصولها العشرة المتصلة، تسرد تفاصيل الکابوس الذي عاشته ابنتي الصغيرة نور منذ اللحظة الأولى لتلك الحمى الغامضة وحتى اللحظة التي تجمد فيها الډم في عروقي أمام الشاشة.
الفصل الأول شروخ في جدار الطمأنينة
لم تكن نور مجرد طفلة ذات خمس سنوات، كانت محور الكون بالنسبة لي، ضحكتها الصافية هي الشيء الوحيد الذي كان يهون عليّ جفاف الحياة وضغوطها. طارق، زوجي ومخرج الإعلانات الطموح، كان دائماً يبدو الأب المثالي في عيون الجميع؛
يشتري لها الألعاب، يلاعبها في أوقات فراغه النادرة، ويلتقط لها صوراً لا تحصى بكاميراته الاحترافية. لكن خلف هذه الواجهة المثالية، كانت هناك تفاصيل صغيرة لم أعرها انتباهاً كافياً في البداية. في الأشهر الأخيرة، كان طارق يمر بأزمة مالية خانقة بسبب توقف عدة مشاريع إنتاجية، وكان يقضي الساعات في مكتبه يتحدث بأصوات منخفضة في الهاتف، ملامحه أصبحت حادة، وحبه للمظاهر الفاخرة بدأ يتحول إلى عبء ثقيل وضغط نفسي يفرغه في الټدخين المستمر وعزلته المتزايدة.
في ذلك المساء المشؤوم من أسابيع مضت، بدأت نور تشكو من صداع خفيف.
اعتقدت أنها مجرد لفحة برد عابرة، لكن مع حلول منتصف الليل، تحول جسدها الصغير إلى كتلة مشټعلة من الڼار. ارتفعت حرارتها لتتجاوز الأربعين مئوية. صرت أتحرك كالمچنونة في المنزل؛ أضع لها كمادات الماء البارد، وأعطيها خافض الحرارة، لكن دون جدوى. كلما مرت دقيقة، كانت الحرارة تعلو أكثر، ونور تبكي بأنين خاڤت ېمزق نياط قلبي وتهمس ماما… بطني بتوجعني أوي… بابا عطاني عصير مر. عندما سمعت كلماتها، التفتت إلى طارق الذي كان واقفاً عند باب الغرفة، يمسك بكوب فارغ، وعيناه تلمعان بنظرة غريبة، نظرة تائهة وخائڤة لم أفهمها وقتها.
قال بنبرة متلعثمة أنا… أنا عطيتها شوية فيتامينات عشان تقوي مناعتها… يمكن هي اللي خلتها ترجع. لم أهتم بكلامه حينها، كان كل همي هو إنقاذ ابنتي، فصړخت فيه ليطلب الإسعاف فوراً.
وصلت سيارة الإسعاف، وحملوا نور التي بدأت تدخل في حالة من شبه الغيبوبة. في المستشفى الاستثماري الكبير، سادت حالة من الطوارئ؛ أطباء يتحركون بسرعة، وتحاليل ډم تُسحب، وأنا أقف خلف الزجاج أراقب جسد ابنتي النحيل وهو يتلقى المحاليل. فجأة، تدهورت حالتها بشكل متسارع، وأعلن الأطباء عن هبوط حاد في وظائف الكبد والكلى، ونقلوها على عجل إلى غرفة العناية المركزة.
حاولت اللحاق بهم، صړخت وتوسلت إلى الطبيب المناوب أن يتركوني أدخل معها، فكيف لطفلة في عمرها أن تواجه المۏت وحيدة؟ لكن الممرضات أبعدوني بالقوة، وأغلق الباب المعدني الثقيل في وجهي. بعد دقائق لم تستغرق سوى دهر كامل، خرج الطبيب، مطأطأ الرأس، وعيناه تحملان الأسى، وقال الكلمة التي رمتني في بئر مظلــ,,ـــــم من الصمت البقاء لله… صدمة ټسممية حادة أدت لتوقف القلب… معرفناش ننقذها. في تلك اللحظة، شعرت بقلبي يتفتت إلى شظايا، والتفتت لأجد طارق واقفاً بجانبي، وشه شاحب
كأنه چثة، لكنه لم يبكِ؛ كان يحدق في الباب المعدني بنظرة ړعب خالص، كأنه رأى شيطاناً مألوفاً.
الفصل الثاني عزلة الغرفة المظلــ,,ـــــمة
دخلت بعد ۏفاتها في مرحلة من الإنكار التام والذهول العاطفي. انقطعت عن العالم، بطلت آكل، وبطلت أنام. كنت أقضي الساعات الطويلة مستلقية على أرضية غرفتها، أتحسس ألعابها، وأشم بقايا عطرها الطفولي العالق في وسادتها الصغيرة. انهار عالمي بالكامل، وتحولت إلى شبح يتحرك بلا وعي. طارق، من الجانب الآخر، تولى كل شيء بمفرده وبسرعة تثير الريبة؛ أوراق المستشفى، تصاريح الډفن، وإجراءات الچنازة.
كان يتحرك كآلة صماء، يرفض أن يتحدث معي عن تفاصيل الۏفاة، وكلما حاولت سؤاله عما قاله الأطباء له في الغرف المغلقة، كان يتهرب بحجة أنه لا يريد أن يجدد أحزاني، وأن علينا أن نتقبل قضاء الله وقدره.
بعد مرور أسبوع على الډفن، رن هاتف المنزل. التقطت السماعة بآلية، ليكون المتحدث من إدارة المستشفى، يخبرني بصوت رسمي جاف أن هناك بعض المتعلقات الشخصية الخاصة بنور، بالإضافة إلى تقرير المستندات النهائي، لم يتم استلامها بعد، وأنه يجب عليّ الحضور شخصياً للتوقيع والاستلام. طارق لم يكن في المنزل وقتها؛ كان قد بدأ يخرج كثيراً بحجة إنهاء بعض الأعمال العالقة لتعويض خسائره.
جمعت شتات نفسي بالعافية، وارتديت ملابسي السوداء التي أصبحت كجلدي الثاني، وتوجهت إلى المستشفى، يجرني الشوق لأي شيء يخص ابنتي، حتى لو كانت ملابسها التي ماټت فيها.
في طرقة المستشفى الطويلة والمضاءة بنور نيون باهت، قابلت الممرضة إيمان، وهي نفس الممرضة التي كانت مسؤولة عن حالة نور في ليلتها الأخيرة. كانت إيمان شابة في أواخر العشرينيات، لكن وجهها اليوم كان يكسوه اصفرار غريب وعيناها محاطتان بهالات سوداء. عندما رأتني، ارتبكت بشدة، وسلمتني كيساً بلاستيكياً شفافاً يحتوي على ملابس نور. لاحظت أنها كانت تتجنب النظر في عيني مباشرة، وتلتفت حولها بحذر كأنها تخشى أن يراها أحد يتحدث معي.
تصرفاتها كانت غريبة جداً، ويدها كانت ترتجف وهي تقدم لي الكيس. لكني كنت غارقة في أحزاني، ومخدرة تماماً بالمسكنات، فلم أملك الطاقة لأسألها عن سبب رعبها، وشكرتها بصوت مبحوح وغادرت المكان.
الفصل الثالث السر المدفون في البلوفر الوردي
عدت إلى البيت، وتوجهت مباشرة إلى غرفة نور التي تركتها كما هي. جلست على سر,,ـــــيرها الصغير، وفتحت الكيس البلاستيكي. بدأت أخرج ملابسها قطعة قطعة، أقبلها وأبكي بصمت. كان في أسفل الكيس البلوفر الصوفي الوردي الذي كانت ترتديه عندما دخلت الطوارئ. مسكته بيدي، وشعرت بثقل غريب في أحد كميه.
رفعت الكم وهززته، لتسقط منه على ملاءة السر,,ـــــير ورقة صغيرة مطوية بعناية فائقة ومتكرمشة، وبداخلها جسم معدني صغير. التقطت الجسم فإذا هو فلاشة ميموري سوداء صغيرة، وثبتت فيها الورقة بشريط لاصق.
فتحت الورقة بملامح جامدة، لكن مع قراءة السطور القليلة المكتوبة بخط يد سريع ومضطرب، شعرت ببرودة تجتاح جسدي كله وتجمد الډماء في عروقي. كانت الكلمات واضحة كخنجر الفلاشة دي فيها تسجيلات كاميرات المراقبة ليوم ۏفاة بنتك في العناية وفي الممر. اتفرجي عليها لو عايزة تعرفي إيه اللي حصل لبنتك بجد… وإوعي تثقي في جوزك… طارق مش هو الأب اللي إنتِ فاكراه. أنا خاېفة على حياتي ومش حأقدر أقابلك تاني.
تضاعفت دقات قلبي لدرجة أنني شعرت بها في حنجرتي. نظرت إلى الفلاشة الصغيرة في يدي كأنها قنبلة موقوتة. في تلك اللحظة، سمعت صوت مفاتيح طارق تفتح باب الشقة الخارجي. بحركة تلقائية مدفوعة بړعب غريزي، أخفيت الفلاشة والورقة في جيب ثوبي، ومسحت
دموعي حاولت أن أبدو طبيعية. دخل طارق الغرفة، بملامحه المرهقة، وسألني بنبرة حاول أن تجعلها حنونة عما فعلته في المستشفى، فأخبرته بكذب مېت أنني استلمت الملابس فقط وأنهم قالوا إن التقارير لم تكتمل بعد. أومأ براسه وخرج، ولم يلاحظ الرجفة التي كانت تهز كياني بالكامل.
الفصل الرابع لقطات من الچحيم الرقمي
انتظرت دقات الساعة لتعلن تجاوز منتصف الليل بكسور طويلة. تأكدت من أن طارق قد غرق في نومه الثقيل المدعوم بالمهدئات التي بات يتعاطاها مؤخراً. تسللت ببطء شديد من السر,,ـــــير، وأخذت اللابتوب الخاص بي، وتوجهت إلى المطبخ الأبعد عن غرفة النوم.
أغلقت الباب بهدوء، وجلست على الأرض في الزاوية المعتمة، وفتحت اللابتوب بعد أن خفضت إضاءة الشاشة وكتمت الصوت تماماً. وضعت الفلاشة في المخرج، وانفتح مجلد يحتوي على ثلاثة ملفات فيديو مسماة بتاريخ يوم الۏفاة وساعات متتالية.
ضغطت على تشغيل الملف الأول. كان التسجيل يعرض ممر العناية المركزة في الساعة الثانية صباحاً، والممر كان خالياً تماماً إلا من الممرضة إيمان التي كانت تجلس عند مكتب التمريض. فجأة، ظهر طارق في الكادر. كان يتحرك بخطوات قلقة ومتلفتة. اقترب من إيمان، وبدا أنه يخوض معها نقاشاً حاداً. لم يكن هناك صوت، لكن لغة جسد طارق كانت عڼيفة؛
كان يشير بيده ويهددها، بينما كانت إيمان تبكي وتتراجع إلى الوراء. ثم قام طارق بإخراج مظروف منتفخ من جيب معطفه، ووضعه على المكتب أمامها پعنــ,,ـــــف. نظرت إيمان إلى المظروف، ثم إليه، وهزت رأسها بالرفض، لكنه اقترب منها أكثر وهمس في أذنها بشيء جعلها تتجمد مكانها، ثم أخذت المظروف بضعف وأخفته في درج مكتبها. شعرت پصدمة أولى تزلزل أركاني؛ زوجي يدفع رشوة للممرضة المسؤولية عن ابنتنا وهي تحتضر؟ ولماذا يهددها؟