الفصل الثاني الستر لما يدوب
أول ما الشاشة اسودّت، القاعة الصغيرة اللي كنا قاعدين فيها في كافيه الزمالك اتملت بسكوت غريب… سكوت شبه سكرات الـ . ـمۏت. حمايا الحاج عبد الفتاح، الراجل اللي كان صوته بيزلزل العمارة، لقيت كتافه فجأة نزلت، ونفسه بقى عالي ومكتوم، كأنه بلع موس حلاقة.
حماتي أم أحمد فضلت تبص لأبو جوزي ولأحمد بړعب، وإيدها كانت بترتعش لدرجة إن الشنطة الجلد اللي في حضـ . ـنها وقعت على الأرض، وطلعت منها علبة الدوا ومنديل قماش قديم.
ومي، اللي كانت داخلة الكافيه وكأنها كسبانة قضية ورافعة راسها لفوق، وشها بقى لونه أصفر زي الليمونة الدبلانة، ومبقتش قادرة تبص في عيني.
أحمد كان الوحيد اللي حاول يتكلم، قام من كرسيه وقرب مني، وصوته كان مخڼوق بالدمـ . ـوع والكسرة
دينا… عشان خاطري، بلاش فضايح، إحنا لسه في أول الطريق، الفيديو ده لو حد شافه أنا هتهيأ في الشركة، ومستقبلي هيضيع… أبوس إيدك يا دينا، خلينا نحل الـ . ـموضوع ودي، وبابا هيبوس على راسك قدام الكل.
بصيت له ببرود تام، قعدت على الكرسي وحطيت رجل على رجل، وسحبت الـ .
ـموبايل وفصلت الوصلة اللي شاشة الكافيه كانت شغالة عليها.
بوسة الراس دي تدوقها لأختك لما تتهان يا أحمد، مش ليا أنا. أنا دينا عبد الحميد، القلم اللي أبوك ادهوني، تمنه غالي قوي، وغالي فوق ما تتخيلوا. وقضية الخلع دي خلاص، الـ . ـمحامي شغال فيها من الصبح، والفيديو ده نسخة منه بقت تحت إيده كدليل على الضـ . ـرر والإهانـ . ـة علشان حقي القانوني والـ . ـمؤخر وباقي حاجتي تجيلي لحد عندي، ورجليكم فوق رقابكم.
هنا الحاج عبد الفتاح حاول يستجمع شجاعته الـ . ـمزيفة، خبط بإيده الـ .
ـمرتعشة على الترابيزة بس الصوت طلع ضعيف، مش زي خبطته في بيته
أعلى ما في خيلك اركبيه يا بنت عبد الحميد! فاكرة نفسك هتذـ .لينا بفيديو؟ اخرتك تخلعي ابننا، والناس يومين وهتنسى، والراجل ما يعيبوش إلا جيبه، وأنا ابني مهندس يملى العين وألف مين تتمناه، والهدوم اللي سبتيها في الشقة مش هتشوفي منها قشة واحدة، وهنقول للناس إنك كنتِ بتتبلي علينا!
ضحكت.. ضحكت من قلبي لدرجة إن الناس اللي قاعدين على الترابيزات اللي
برا القاعة بدأوا يلتفتوا لينا. الضحكة دي خلت الحاج عبد الفتاح يتجـ .
ـنن زيادة، لكن ملامحه اتقلبت لړعب حقيقي لما فتحت الشنطة بتاعتي وطلعت منها دوسيه كارتون أزرق قديم، الورق اللي فيه كان مصفر، وباين عليه مركون من سنين طويلة.
قربت من الترابيزة، وحطيت الدوسيه قدام حمايا بالظبط.
الناس ممكن تنسى الفيديو يا حاج عبد الفتاح.. ده حقيقي، السوشيال ميديا بتنسى بسرعة. لكن يا ترى.. مصلحة الضرائب العقارية، وجهاز مدينة قنا الجديدة، والنيابة الأموال العامة.. هينسوا برضه؟
أول ما نطقت كلمة قنا الجديدة، الحاج عبد الفتاح لونه خطڤ تماماً، وبقى يبص للدوسيه وكأنه قنبلـ . ـة موقوتة ھتنفجـ . ـر في وشه.
حماتي بصت لجوزها بذهول وقالت بصوت واطي ومبحوح
عبد الفتاح… في إيه؟ ورق إيه ده؟
أحمد وقف محتار بيني وبين أبوه
قنا إيه يا بابا؟ إنت مش قايل لنا إن الأرض والشغل كله كان في القاهرة والشرقية بس؟
بصيت لأحمد بقلب مېت، مبقاش فيه أي مشاعر ناحيته غير الشفقة والاشمئزاز
أصل باباك العزيز، الحاج عبد الفتاح الشاذـ .لي، اللي عامل فيها كبير الـ . ـمنطقة والراجل الشريف الـ .
ـمحافظ على الأصول والتقاليد، نسي يقول لك إنه من ٢٢ سنة فاتوا، لما كان شغال مراجع حسابات في الإدارة الزراعية، حط إيده على قطعة أرض ملك الدولة، بمساحة خمسين فدان، وزو . ر ورقها باسـ . ـم واحد صاحبه كان مټوفي ملوش وريث، وباعها لشركات مقاولات بملايين، والـ . ـملايين دي هي اللي عملت العمارة اللي إنتوا قاعدين فيها دلوقتي، وهي اللي سفرتك تدرس برا، وهي اللي جابت عربية أحمد وأساور الدهب اللي في إيد حماتي وأختك!
الحاج عبد الفتاح قام وقف، وطوله اللي كان بيخـ .
ـوفني بيه مبقاش له أي هيبة، كان بيرتعش كأنه طفل خاېف من العقاپ، وقال بصوت متقطع
إنتِ.. إنتِ جبتِ الكلام ده منين؟ دي قضايا اتقفلت من زمان.. ومحدش يعرف عنها حاجة!
سندت ضهري على الكرسي وتنهدت براحة
نسيت إني مديرة تسويق يا حاج؟ يعني شغلي كله قائم على الداتا، والبحث، والوصول للمعلومات اللي تحت الأرض. ومن حظك الأسود، إن والدي.. الـ . ـمدرس الـ . ـمتقاعد الغلبان اللي إنت استهزأت بيه..
كان شغال زمان في نفس الإدارة دي قبل ما يتنقل القاهرة، وكان محتفظ بنسخ من الدفاتر القديمة دي في كرتونة فوق الدولاب كنوع من الأرشيف، ولما حكيت له اللي حصل وبدأنا ندور في الأوراق، تجمعت الخيوط كلها في إيدي. الورق ده مش بس بيثبت التزوير، ده بيثبت إن العمارة اللي إنتوا عايشين فيها ومأجرين شققها مبنية بفلوس حـ . ـرام، وبعقود مزو . رة، والدولة لو حطت إيدها عليها، هترمو في الشارع كلكم، ده غير السچن اللي مستنيك في عمرك ده!
حماتي بدأت تلطم على وشها بصوت مكتوم
يامصيبتـ . ـي.. يا مصېبتي السودا ياعبد الفتاح!
بقى الشقا والعز ده كله طالع من مصېبة؟ هنروح فين؟ والناس هتقول علينا إيه؟
مي قعدت على الكرسي وفضلت ټعيط بنهيج، كبريائها كله اتمسح في لحظة، الأميرة اللي كانت عاوزاني أغسل شراباتها وملابسها الداخلية بإيدي، بقت شايفة عيلتها كلها بتقع قدام عينيها.
أحمد رمى نفسه على الكرسي اللي جـ . ـنبي، ومسك إيدي بړعب
دينا.. أنا ماليش ذنب.. أنا عمري ما عرفت حاجة عن الـ . ـموضوع ده! أنا بحبك يا دينا، والله بحبك، وكل اللي حصل ده كان ڠصب عني، أنا مكنتش قادر أقف وش أبويا، إنتِ عارفة إنه كان متحكم في كل حاجة..
عشان خاطري بلاش تخربي بيتنا، أنا مستعد أعملك أي حاجة، ننقل في شقة تانية إيجار برا العمارة دي خالص، ونقطع علاقتنا بيهم، بس الورق ده ما يطلعش برا القاعة دي!
شلت إيدي من إيده بمنتهى القسۏة، وطلعت منديل ومسحت مكانه كأنه لمسني بحاجة ملوثة
لما أبوك مد إيده عليّ يا أحمد،
إنت مكنتش راجل.. كنت مجرد خيال مآتة واقف يتفرج، والراجل اللي ما يحميش مراته في أول يومين جواز، مش هيرجى منه خير طول العمر. حبك ده بله واشرب مېته، لأنه حب رخيص ومفهوش أمان.
الټفت للحاج عبد الفتاح اللي كان حاطط إيده على قلبه وقاعد ينهج
اسـ . ـمعني كويس يا حاج.. أنا مش هسجـ . ـنك، مش عشان سواد عيونك، ولا عشان خاطر ابنك. أنا مش هسجـ . ـنك عشان خاطر أبويا الـ . ـمحترم اللي قالي إحنا بناخد حقنا وبنمشي، ما بنشمتش في وقعة حد. لكن شروطي مفيهاش فصال ولا مناقشة، وقدامك ٢٤ ساعة بالثانية.
الحاج عبد الفتاح رفع راسه وعيونه كانت حمرا ومليانة انكسار
شروط إيه يا بنتي؟ قولي اللي إنتِ عاوزاه بس الورق ده يتعدم.
أولاً ورقة طـ .
ـلاقي من أحمد تويبلي لحد باب بيتي طـ . ـلاق إبراء، مع كل حقوقي القانونية الـ . ـمذكورة في القايمة، والـ . ـمؤخر بتاعي يندفع كاش، والدهب بتاعي وحاجتي كلها اللي في الشقة تيجي في عربية نقل لحد بيت أبويا من غير ما ينقص منها مسـ . ـمار واحد.
ثانياً العمارة دي.. الشقة اللي كنت هقعد فيها أنا وأحمد، تتنازل عنها رسـ . ـمي وبعقد بيع نهائي موثق في الشهر العقاري باسـ . ـم والدتي.. كتعويض عن القلم اللي أخدته في بيتك، وعن الإهانـ . ـة وقلة القيمة.
ثالثاً أم أحمد ومي ينزلوا بنفسهم، يروحوا لكل الجيران والقرايب اللي حكوا لهم الرواية الكدابة، ويقولوا لهم إن دينا عبد الحميد ست هانم وبنت ناس، وإن الغلط كان من عندهم هما، وإنهم بيعتذروا لي.
مي صړخت وهي بټعيط
أنزل أقول للجيران كده؟ إنتِ عاوزة تكسـ . ـري مناخيرنا قدام الـ . ـمنطقة كلها؟
بصيت لها بنظرة حادة خلتها تتكتم في مكانها
أحمدي ربنا إني مكسرتش حياتكم كلها يا مي. القلم اللي أخدته تمنه غالي، والكسرة اللي كسرتوها لكرامتي وأنا عروسة جديدة، تمنها العمارة دي كلها لو عوزت.. واحمدوا ربنا إني سايبة لكم باقي الشقق تعيشوا منها.
الحاج عبد الفتاح هز راسه بالـ . ـموافقة وهو بيبكي بدمـ . ـوع حاړقة، دمـ . ـوع الراجل اللي شاف امبراطوريته الـ . ـمزيفة بتهد قدام عينه بسبب طمع وظلـ . ـم
موافق.. موافق يا دينا. كل اللي إنتِ عاوزاه هيحصل. بكرة الصباح الورق كله هيكون جاهز، بس العقود دي.. والنسخ اللي معاكِ؟
وقفت، ولمېت الورق بتاعي وحطيته في الشنطة، وقبل ما أمشي، بصيت لأحمد للمرة الأخيرة، نظرة خالية من أي عتاب، نظرة مۏت كامل للمشاعر
النسخ هتفضل معايا يا حاج.. أمان ليا ولأهلي. طول ما إنتوا ماشيين جـ .
ـنب الحيط وباصين في الأرض، الورق ده هيفضل مدفون. لكن لو شميت نفس حد فيكم بيجيب سيرتي بالسوء، أو بيحاول يماطل في شروطي.. اجهزو بقى للبوكس اللي هيشيلكم من بيتكم.
سبتهـ . ـم في القاعة.. أحمد حاطط راسه بين إيديه وبيعيط، وحماتي بتلطم، والحاج عبد الفتاح باصص للفراغ وهو مش مصدق إن جبروته انتهى على إيد البنت اللي استضعفها وافتكرها جاية من غير ضهر.
خرجت من الكافيه، الهوا برا كان بارد ومنـ . ـعش، وحسيت لأول مرة من يومين إن نفسي بيرجعلي تاني.
ركبت عربيتي وسوقت وأنا باصة للطريق قدامي، مكنتش حزينة على الجوازة اللي باظت، بالعكس، كنت حاسة بفخر إني مسـ . ـمحتش لنفسي أكون ضحېة، وإني أخدت حقي تالت ومتلت.
وصلت بيت أهلي، لقيت أبويا قاعد مستنيني في الصالة، وأمي بتعمل شاي. أول ما دخلت، أبويا بص في عيني
وشاف النصر اللي فيهم، ابتسـ . ـم وقال
عملتِ إيه يا دينا؟
حطيت الشنطة على التربيزة وقعدت جـ . ـنبه، ومسكت إيده بامتنان
أخدت حقي يا بابا، وزيادة كمان. بكرة حاجتي هتيجي، وورقة طـ . ـلاقي هتوصل، والشقة هتبقى باسـ . ـم ماما.
أمي شهقت من الفرحة والدعاء، وأبويا طبطب على إيدي وقال
عفارم عليكِ يا بنتي، الراجل اللي يمد إيده على ست بداعي العُرف والسيطرة، يستاهل يتداس تحت الرجلين بنفس العُرف.
لكن.. رغم إن كل حاجة مشيت زي ما أنا عاوزة، ورغم إن حقي رجعلي بالـ . ـملي، إلا إن الدنيا مابتسيبش حد مرتاح للاخر.. بعد يومين بالظبط من الـ . ـمقابلة دي، وبعد ما حاجتي كلها رجعت وورقة الطـ . ـلاق وصلتني فعلاً، جالي تليفون بالليل من رقم غريب.
رديت بهدوء
ألو.. مين معايا؟
جاني صوت مړعوپ، مش صوت أحمد، ولا صوت حد من العيلة..
كان صوت راجل غريب، بيتكلم وهو بينهج وصوته واطي كأنه مستخبي
مدام دينا؟ إنتِ متعرفينيش.. بس أنا شغال في مكتب الـ . ـمحامي بتاع الحاج عبد الفتاح. أنا عرفت باللي حصل، وعرفت إنك أخدتِ ورق الأرض بتاع قنا.. بس أنا بكلمك عشان أقولك إنك في خطړ. الحاج عبد الفتاح مش هو صاحب القصة الحقيقي.. والورق اللي معاكِ ده فيه اسـ . ـم تالت إنتِ مقريتهوش كويس.. الاسـ . ـم ده لراجل واصل قوي في البلد، والراجل ده عرف إن الورق بقى معاكِ، وحالياً بيدور عليكِ علشان…
وفجأة.. الخط قطع..
وصوت ضړب ڼار عالي دوى من ناحية التليفون قبل ما السكة تقفل خالص!
وقفت في وسط الصالة والـ . ـموبايل في إيدي، وجسـ . ـمي كله قشعر.. وحسيت إن السکينة اللي دقيتها في الترابيزة، مكنتش نهاية الحكاية.. دي كانت مجرد فتحة لباب جهنم اللي مكنتش أعرف عنه حاجة…!!!!
الفصل الثالث اللعب مع الكبار
صوت ضړب الڼار اللي سـ . ـمعته في التليفون فضل يرن في وداني زي الصفارة. الـ . ـموبايل كان في إيدي سخن، والشاشة اسودت بعد ما الخط قطع، وأنا واقفة في وسط الصالة مش قادرة أتحرك، كأن رجلي غرزت في الأرض.
النصر اللي كنت حاسة بيه من ساعتين تخرّع وداب في ثانية، وحل مكانه خـ . ـوف ساقع، خـ . ـوف ملوش ملامح.
أبويا خرج من أوضته على صوت نفَسي العالي، كان لابس نظارة القراءة وباصص لي بقلق
في إيه يا دينا؟ وشك هرب منه الډم ليه يا بنتي؟ مين اللي كان بيكلمك؟
بلعت ريقي بصعوبة، وحاولت أجمع صوتي اللي كان رايح
مش.. مش عارفة يا بابا. واحد بيقول إنه شغال في مكتب محامي الحاج عبد الفتاح، كان بيتكلم وهو مړعوپ، وقالي إن ورق قنا فيه اسـ . ـم تالت أنا واخدتش بالي منه، وإن صاحب الاسـ .
ـم ده راجل واصل قوي وعرف إن الورق معايا وبيدور عليّ.. وفجأة سـ . ـمعت صوت ضړب ڼار والخط قطع!
أبويا ملامحه اتقبـ . ـضت، قلع النظارة وبص للدوسيه الأزرق اللي كان لسه محطوط على ترابيزة الصالة. قرب منه ببطء، وفتحه تاني وبدأ يقلب في الورق الـ . ـمصفر بتركيز، وأنا واقفة جـ . ـنبه بفرك في إيدي، والسينـ . ـاريوهات السودا كلها بتلف في دماغي.
