منوعات

جوزي صمم يحضرلي القهوة بأيده

جوزي اللي مبيعرفش يسلق بيضة، صمم النهاردة يحضرلي القهوة بإيده ويجيبها لحد السريـ . ـر.. الابتسامة اللي كانت على وشه وهو بيناولني الفنجان خلت جسـ . ـمي يقشعر.
أنا عمري ما تخيلت إن صباح عادي في بيتنا البسيط ممكن يقلب حياتي جحيـ . ـم. المصايب ساعات مابتجيش بصويت ولا علامـ . ـات واضحة، بتيجي في سكات، مستخبية في أدق التفاصيل.. وفي حالتي، كانت مستخبية في فنجان قهوة.
اسـ . ـمي ليلى، عندي تمنية وتلاتين سنة، ومتجوزة من كمال من خمستاشـ . ـر سنة. طول السنين دي مكنش عندي سبب واحد يخليني أشـ . ـك فيه.

كمال كان راجل هادي، شقيان في شغـ . ـله، من نوع الرجالة اللي تحسهم اتخلقوا عشان البيت والأسرة. مكنش رومانسي أوي، بس كان دايماً موجود لما أحتاجه.. بيشيل المـ . ـسؤولية، بيصلح اللي بيتحـ . ـرق في البيت، وكل يوم جمعة كان ياخدني وننزل السوق نجيب العيش السخن والفاكهة الطازة. حياتنا كانت ماشية بالستر ومستقرة.. أو ده اللي كنت فاكراه.
الصباح الغريب
اليوم ده بدأ زي أي يوم. الشمس لسه بتبدأ تشقشق وتدخل من شباك المطبخ، تنور السفرة الخشب اللي متعودين نفطر عليها. ومن بعيد، كنت سامعة صوت عربيات و الاولاد بتلعب في الشارع.

أول ما فتحت عيني، شميـ . ـت ريحة القهوة. وديه كانت أول حاجة غريبة.. عادةً أنا اللي بصحى الأول أحضرها، وكمال دايماً نومه تقيل

وبياخد وقت عقبال ما يقوم.
لكن الصبح ده، لما طلعت من الأوضة وأنا لسه بنعاس، لقيته واقف في المطبخ. كان واقف قدام البوتاجاز.. وفي إيده فنجان. أول ما شافني، ابتسـ . ـم وقال بصوت هادي صباح الفل يا لولا.. عملتلك القهوة بإيدي النهاردة.
طبعاً استغربت، بس قلت في نفسي دي لفتة حلوة منه، خصوصاً إنه مش متعود يعمل كده في وسط الأسبوع.
سألته وأنا بقعد إيه الكرم ده؟ إيه المناسبة؟
رد وهو بيحرك كتافه ببساطة ولا حاجة، عديت على محمصة جديدة امبارح وجبت منها بن أجربه.
حط الفنجان قدامي. الدخان كان طالع منه ببطء..

القهوة كانت غامقة.. وتقيلة. مسكت الفنجان بإيدي الاتنين، كنت مستمتعة بدفاه في برد الصبح.. بس قبل ما أشـ . ـرب، وزي عادتي، قربت الفنجان من مناخيري. وهنا شميـ . ـت الريـ . ـحة. كانت.. مختلفة. مش عارفة أوصفها بالظبط، بس مكنتش ريحة بن وبس. كان فيه حاجة تانية.. ريحة مُرة أوي، ريحة غريبة خلتني أكشـ . ـر من غير ما أحس.
كمال كان واقف قدامي.. مراقبني. لما رفعت عيني فيه، بَص الناحية التانية بسرعة أوي. كانت حركة صغيرة.. تكاد تكون مش ملحوظة. بس فيه حاجة جوايا انقبـ . ـضت.

سألته وأنا بحاول أبين إن كلامي عادي دي قهوة ب تحويجة زيادة ولا إيه؟
رد بسرعة لا.. قهوة سادة عادية، بس قوية شوية.
هزيت راسي ببطء. بس ضـ . ـربات قلبي بدأت تسرع. مكانش عندي دليل على حاجة، قلت يمكن بيتهيألي، يمكن البن فعلاً مختلف. بس في اللحظة دي افتكرت حاجات.. في الشهور الأخيرة، كمال اتغير. بقى يتأخر بره البيت. طول الوقت ماسك الموبايل ومركز فيه. ولما بسأله، بيرد بردود عايمة ومختصرة. يمكن مكنش ليها معنى.. ويمكن كان ليها كل المعنى.
بصيت للفنجان تاني. الدخان لسه طالع منه قدامي. وكمال لسه بيبصلي.. مستني.
سألني مش هتشـ .

ـربي؟
نبرة صوته كانت عادية، بس فيها حاجة.. توتـ . ـر مكتوم.
مسكت الفنجان.. وقربته من شفايفي.. بس مشـ . ـربتش. تظاهرت إني بشـ . ـرب، لمـ . ـست حافة الفنجان بشفايفي وبعدين نزلته براحة. قلتله لسه سخنة أوي.
كمال هز راسه.
في اللحظة دي، تليفونه رن بصوت إشعار رسالة. هو لف ضهره عشان شوف الموبايل اللي كان حاطه على الرخامـ . ـة. ثانية واحدة.. ده كل اللي كنت محتاجاه. إيدي اتحركت لوحدها. كان فيه فنجان تاني على الترابيزة، الفنجان بتاع كمال. من غير تفكير، بدلت الفناجين. فنجاني بقى قدامه.. وفنجانه بقى قدامي.

لما لف وشي تاني، ابتسـ . ـمت له وقلت بقولك إيه.. جربها أنت الأول، لو طلعت حلوة أبقى هات منها تاني بكرة. وزقيت الفنجان ناحيته.
كمال اتصلب في مكانه. سكت تماماً. عينيه نزلت للفنجان.. وبعدين بصلي.
قال بصوت واطي لا.. اشـ . ـربيها أنتي.
صممت وأنا بضحك ضحـ . ـكة مش طبيعية يا راجل اشـ . ـرب بس، عايزة أعرف تستاهل ولا لا.
السكوت بقى تقيل ومخيـ . ـف. كمال بلع ريقه بصعوبة.. شفته بوضوح وهو بيبلع ريقه. ده مكنش كمال اللي أعرفه. كمال القديم كان هيشـ . ـرب الفنجان في بق واحد من غير تفكير.

بس دلوقتي.. كان باين عليه الرعـ . ـب.
قلت والابتسامة بدأت تختفي من وشي يا كمال.. اشـ . ـرب بقة واحدة بس. وزقيت الفنجان أقرب ليه.
الهدوء في المطبخ كان يقـ . ـتل. أخيراً، وبحركة بطيئة ومهزوزة، كمال مسك الفنجان. صوابعه كانت بتترعش. رفع الفنجان.. عينينا اتقابلت في نظرة فضلت لدهر. وبعدين.. شـ . ـرب. بقة واحدة صغيرة. مش أكتر.
عدت ثانية.. تانية.. تالتة.. وفجأة.. وشه اتخطف. اللون هرب من وشه كأن حد طفى النور جواه.
همست بخـ . ـوف كمال..؟
رفع إيده لرقبته. عينيه برقت بشـ . ـكل مرعـ . ـب.

الفنجان وقع من إيده واتدشدش مية حتة على الأرض.
قمت من مكاني مفـ . ـزوعة مالك؟ فيك إيه؟
بس كمال مكنش قادر يتكلم. جسـ . ـمه بدأ يتنفض. في الأول هزة بسيطة.. وبعدين تشنج بعنـ . ـف. كان ماسك رقبته وكأنه مش عارف يسحب الهوا. وفي ثواني.. وقع على الأرض قدامي. جسـ . ـمه كان بيتنفض بقوة.. نفسه بيقل ويتقطـ . ـع.. وفي اللحظة دي، وأنا شيفاه بيقع قدام عيني.. حسيت بتلج بيمشي على ضهري. لأن الحقيقة المرعـ . ـبة بدأت تظهر في عقلي. القهوة دي مكنتش ليه.. كانت ليا.
المواجهة والمـ .

ـوت
كمال وقع على السفرة خبطة قوية خلت الأطباق تترج، وبعدين نزل على الأرض. الصوت لسه بيرن في ودني. اتجمدت مكاني، مش قادرة أستوعب اللي شيفاه. الراجل اللي عشت معاه 15 سنة بيطلع في الروح قدامي.
صـ . ـرخت وأنا بلف حوالين الترابيزة كمال!
كان بيلطش في الهوا بيدور على نفس. عينيه كانت مفتوحة على آخرها وفيها رعـ . ـب عمري ما شفته. القهوة المـ . ـسلوقة كانت سايحة على الأرض مع حتت الفنجان المكسور. ريحة غريبة طلعت.. ريحة نفاذة، ريحة كيماوية مُرة. بطني قلبت.
كنت بحاول أسند راسه اتنفس يا كمال! اتنفس!

بس هو مكنش سامعني. كان بيطلع صوت حشـ . ـرجة من زوره. فكرت أطلب الإسعاف، إيدي راحت للموبايل.. بس لما بصيت في وشه تاني.. حاجة وقفتني. اللي في وشه مكنش وجـ . ـع بس.. كان رعـ . ـب. رعـ . ـب حد عارف بالظبط إيه اللي بيحصل له.
همست بذهول حطيت إيه في القهوة يا كمال؟
بصلي.. شفايفه كانت بتترعش.. حاول ينطق.. بس اللي طلع كان صوت مكسور أنا.. أنا..
جسـ . ـمه اتنفض تاني بعنـ . ـف. قلبي كان بيدق لدرجة الوجـ . ـع. كنت عايزة أصدق إنه حـ .

ـادثة، إن البن بايظ، إن أي حاجة تانية حصلت. بس من جوايا كنت عارفة. القهوة دي مكنتش بايظة.. دي كانت متجهزة. متجهزة بقصد.
سألت وصوتي بيقطع كانت ليا؟
كمال غمض عينيه. مردش. ومكنش محتاج يرد.. السكوت كان كفاية. الدنيا لفت بيا. 15 سنة جواز.. 15 سنة بنام جـ . ـنبه في سريـ . ـر واحد.. ودلوقتي هو بيمـ . ـوتمكان الشخص اللي كان عايز يقتــ ـله.
فوقت لنفسي وطلبت الإسعاف الحقونا.. جوزي بيمـ . ـوت.. تشنجات.. باين عليه مسـ . ـموم.
وأنا بتكلم كنت براقبه. تشنجاته بدأت تهدى.. بس ده مطمنيش. وشة بقى لونه رمادي مخيـ .

ـف. الموظف قالي الإسعاف في الطريق.. خليكي جـ . ـنبه.
قفلت السكة. المطبخ رجع فيه السكوت تاني. سجدت جـ . ـنبه على الأرض.
ناديت بصوت واطي كمال..
فتح عينه بالعافية. بصلي.. المرة دي مكنش فيه خـ . ـوف.. كان فيه حاجة أوحـ . ـش. كان فيه ذنـ . ـب.
سألت ليه؟ كلمة واحدة شايلة كل القهـ . ـر اللي في قلبي.
حاول يتكلم تاني.. نفسه بقى عامل زي صوت كحت حديد في إزاز ليلى.. الشـ . ـركة..
مسكت إيده.. إيده كانت تلج أنا هنا.. رد عليا.
قال مكنش.. مكنش قصدي كده..

سألته بمرارة أومال كان قصدك إيه؟
عينيه راحت ناحية القهوة.. ناحية برطمان صغير غامق مكنتش واخدة بالي منه. كان محطوط جـ . ـنب السكر. برطمان صغير من غير تيكيت. إيه ده؟ حاول يرفع إيده بس مقدرش.. إيده وقـ . ـعت على الأرض تاني.
همس بالكلمة دي بالعافية هما..
سألت مين دول؟
مردش.
في اللحظة دي سـ . ـمعت صوت السرينة بتاعة الإسعاف بتقرب. كمال سـ . ـمعها هو كمان.. وعينيه اتملت يأس.
تمتم لا..
قلت الإسعاف جت.. هيلحقوك.
هز راسه بضعف لا.. لازم. . لازم تعرفي.. صوته كان بيغيب.

قربت ودني من بقه أعرف إيه يا كمال؟ مين اللي عمل فيك كده؟
سكت.. صدره كان بيطلع وينزل ببطء شديد. وبآخر طاقة عنده، شفايفه اتحركت لآخر مرة. نطق اسـ . ـم واحد. كلمة واحدة داليا.
حسيت كأن فيه باب من التلج اتفتح في صدري. داليا. طبعاً عارفاها. زميلته الجديدة في الشغـ . ـل. اللي كان بيتكلم عنها كتير الفترة اللي فاتت. اللي بدأ اسـ . ـمها يتكرر في كل حكاية.
سألت والرعـ . ـب بدأ يتقلب لغضـ . ـب داليا ليها عـ . ـلاقة بإيه؟
حاول يرد.. بس مكنش فيه حيل. عينيه بدأت تغيم وتفقد التركيز.

هزيت كتفه كمال! كمال! مفيش رد.
المـ . ـسعفين كسـ . ـروا الباب ودخلوا المطبخ. واحد فيهم قالي وهو بينزل جـ . ـنبه وسعي يا مدام!
بعدت وأنا مذهولة. شفتهـ . ـم وهم بيحطوا له أكسجـ . ـين.. حقن.. أوامر سريعة النبض ضعيـ . ـف.. جهزوا النقالة بسرعة!
مقدرتش أتحرك. عيني كانت على الأرض.. بقعة القهوة لسه بتفرش بين البلاط. القهوة اللي كنت هشـ . ـربها. القهوة اللي كانت هتنهي حياتي. والإسعاف بتشيله، حقيقة واحدة مرة استقرت في عقلي كمال مكنش شغال لوحده. كان فيه حد تاني.. اسـ . ـمها داليا. ولو هي شـ . ـريكة..

يبقى اللي حصل الصبح ده مجرد بداية لحاجة سودة أوي.

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى