
نصيحة عم رفعت
صوت السرينة بدأ يبعد، والبيت اللي كان دوشة من شوية بقى فاضي وبارد. قعدت على الكرسي ورجلي مش شايلاني. عقلي بيحاول يربط الخيوط ببعضها. 15 سنة.. افتكرت أول شقة لينا في الجيزة، كانت ضيـ . ـقة وحر ومفيش فيها غير مروحة بتعمل دوشة ومبتجيبش هوا، وكنا بنضحك ومبسوطين. كمال مكنش راجل شـ . ـرير.. أو ده اللي كنت فاكراه.
قمت وقفت.. عيني جت على البرطمان الصغير اللي جـ . ـنب السكر. قربت منه بحـ . ـذر. برطمان قزاز رخيص، من النوع اللي بيتباع في أي حتة. جواه كان فيه بقايا بودرة غامقة لازقة في القعر.
مش محتاجة أكون خبيرة عشان أفهم إن ده مش بن.
سـ . ـمعت خبط على السور اللي بينا وبين الجيران. يا ليلى؟
كان صوت عم رفعت، جارنا. راجل في الستين، وكان لواء شـ . ـرطة سابق ومتقاعد، الكل في المنطقة بيعمله ألف حساب. فتحت الباب ولقيته ساند على السور، وعلامـ . ـات القلق على وشه.
قال بلهجة جد سـ . ـمعت الإسعاف.. خير؟ كمال ماله؟
بلعت ريقي.. ومكنتش عارفة ليه، بس حسيت إني لازم أقوله الحقيقة كمال مسـ . ـموم يا عم رفعت.
عينيه ضيـ . ـقت مسـ . ـموم؟ إزاي؟
قلت القهوة كان فيها حاجة.
عم رفعت سكت شوية وهو بيبصلي بتركيز فين القهوة دي؟
دخل المطبخ، بص على الأرض، وعلى الفنجان المكسور، وبعدين مسك البرطمان بحـ . ـذر. فتحة وشم ريحته.. وشه اتغير فوراً ده مش بن يا بنتي.
قلت عارفة.
قال ده سِـ . ـم.. وسِم تقيل كمان. الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة. ثم سألني أنتي متأكدة إنه هو اللي حضرها؟
قلت أيوه.
عم رفعت حط البرطمان على التربيزة وبصلي بأسف يبقى قدامنا احتمالين يا ليلى.. يا إما جوزك كان بيحاول يقـ . ـتلك.. يا إما حد كان جابره يعمل كده.
كلامه جـ . ـرحني زي السـ . ـكينة. افتكرت نظرة كمال.. مكانتش نظرة مجرم، كانت نظرة حد مرعـ . ـوب.
قلت بصوت مهزوز قبل ما يغمى عليه، نطق اسـ . ـم واحدة.. داليا.
عم رفعت ركز في الاسـ . ـم.. وكأنه بيفتكر حاجة داليا مين؟
قلت زميلته في الشغـ . ـل.
عم رفعت فضل ساكت بيفكر، وبعدين راح وقف قدام الشباك وبص للشارع. قال بلهجة خلت جسـ . ـمي يقشعر ليلى.. لو جوزك كان متورـ.ط في حاجة خـ . ـطر.. يبقى الحكاية مخلصتش هنا.
سألته قصدك إيه؟
لف ووشه بقى في منتهى الجدية قصدي إن اللي خطط لكده.. لسه فاكر إنك كان لازم تمـ . ـوتي الصبح ده.
السكوت ملى المطبخ. عم رفعت خد مفاتيحه وقال وهو خارج اقفلي الأبواب والشبابيك كويس النهاردة يا بنتي..
سألته ليه يا عم رفعت؟
وقف عند الباب وبصلي بصه أخيرة عشان لو السـ . ـم ده مكنش ل كمال.. يبقى فيه حد دلوقتي بيسأل نفسه إزاي ليلى لسه عايشة؟
بعد ما عم رفعت خرج، حسيت إن جدران البيت بتضيـ . ـق عليا. السكوت مكنش راحة، كان زي الهدوء اللي بيسبق العاصفة.
كلامه فضل يرن في ودني فيه حد بيسأل نفسه أنتي لسه عايشة ليه؟.
دخلت أوضة النوم وقفلت على نفسي بالمفتاح، بس مقدرتش أقعد ساكتة. مسكت لابتوب كمال، كان سايبه مفتوح على المكتب الصغير. بدأت أدور في الملفات، وفي تاريخ المتصفح، لحد ما لقيت فولدر مخفي باسـ . ـم غريب. فتحته.. واتصدمت. صور لك كمال مع داليا في أماكن كتير، بس الصور مكنتش صور حب.. كانت صور ابتزاز. كمال كان باين في الصور وهو بيستلم شنط سودة من ناس شـ . ـكلهم مريب ورا مخازن الشـ . ـركة. وفي وسط الصور لقيت رسالة متصورة يا تنفذ وتخلـ .
ـص منها، يا الصور دي والورق ده هيروح للنيابة وتلبس قضية اختلاس توديك ورا الشمس.. وتخسـ . ـر ليلى للأبد.
فهمت كل حاجة. كمال مكنش عايز يقـ . ـتلني عشان يخلص مني، كمال كان بيحاول ينقذ نفسه من ورـ.طة وقع فيها بسبب داليا والناس اللي وراها. هما اللي أجبروه يختار بيني وبين سجـ . ـنه.. وهو، في لحظة ضعف وخـ . ـوف، اختار نفسه.. بس في آخر لحظة، قلبه طاوعه يبدل الفناجين أو يمكن سابني أبدلها عشان ينهي الكابـ . ـوس ده بمـ . ـوته هو.
الساعة بقت ٢ الصبح. النور كان مقطوع في الطرقة، وفجأة سـ .
ـمعت صوت خربشة عند باب الشقة. قلبي سقط في رجلي. بصيت من العين السحـ .ـرية. كانت هي.. داليا. واقفة ولابسة نضارة سوداء ومخبيّة وشها، ومعاها راجل ضخم لابس كاب. سـ . ـمعتها بتهـ . ـمس له كمال لسه في المـ . ـستشفى بين الحياة والمـ . ـوت، لازم نخلص الموضوع ده دلوقتي قبل ما ليلى تنطق بحرف للشـ . ـرطة.. البرطمان لازم يختفي وهي كمان.
رجلت لورا وأنا بتنفض. كنت هصـ . ـرخ، بس افتكرت كلام عم رفعت. جريت على المطبخ، مسكت سـ . ـكين وعملت أكتر حاجة مجـ . ـنونة ممكن تتعمل.. فتحت الباب فجأة!
داليا والراجل اتفاجئوا.
داليا وشها اصفرّ لما شافتني واقفة، والشـ . ـر في عينيها اتحـ . ـول لذهول.
قالت بتلعثم ليلى.. أنتي.. أنتي كويسة؟
قلت أه يا داليا، القهوة طلعت مفعولها بطيء شوية، تحبي تدخلي تشـ . ـربي فنجان؟
الراجل اللي معاها زق الباب وحاول يدخل، بس في اللحظة دي، النور بتاع السلم كله نور.. وصوت كليك السـ . ـلاح ملى المكان اثبت مكانك انت و هى!
ده كان صوت عم رفعت. كان واقف وراهم على السلم، ومعاه اتنين من رجالة المباحث بملابس مدنية. عم رفعت مكنش نايم، كان مراقب البيت وعارف إنهم هيجوا يلموا وراهم.
النهاية
داليا اتمسكت وهي معاها مفتاح مصطنع لشقتي، والراجل اللي معاها طلع مسجل خـ . ـطر وهارب من قضايا قـ . ـتل. في التحقيقات، انهاروا واعترفوا إنهم كانوا بيستخدموا كمال لتهريب بضاعة من الشـ . ـركة، ولما كمال حب يتوب ويهدد بيفضـ . ـحهم، قرروا يخلصوا منه عن طريق إجبارة إنه يقـ . ـتلني أنا الأول عشان يلبسوه الجـ . ـريمة ويخلصوا من الاتنين بضـ . ـربة واحدة.
بعد أسبوع.. كنت واقفة في المـ . ـستشفى قدام أوضة العـ . ـناية المركزة. كمال فاق، بس السـ . ـم ساب أثر على جهازه العصبـ . ـي، بقى بيتحرك ويتكلم بصعوبة.
دخلت له. بصلي وعينيه اتملت دمـ . ـوع. حاول ينطق اسـ . ـمي.
قلت بصوت جامد وخالي من أي مشاعر مـ . ـاتتكلمش يا كمال.. أنا عرفت كل حاجة. عرفت إنك كنت مستعد تضحي بيا عشان تهرب من غـ . ـلـ . ـطاتك. أنا بلغت عن كل الورق اللي لقيته، والبوليس مستني تخرج عشان تتحاكم مع داليا.
همس بوجـ . ـع ليلى.. سامحيني..
بصيت له لآخر مرة وقبل ما أخرج من حياته للأبد، قلت له القهوة اللي عملتها كانت مُرة أوي يا كمال..
مُرة لدرجة إني مش هقدر أدوق طعم الفرح تاني طول ما أنا فاكرة إنك كنت واقف قدامي ومستني أشـ . ـرب السـ . ـم.. مع السلامة.
خرجت من المـ . ـستشفى لنور الشمس، وأنا عارفة إن الجـ . ـروح اللي في قلبي هتاخد سنين عشان تخف، بس على الأقل.. النهاردة هقدر أشـ . ـرب قهوتي بسلام، وأنا عارفة إن مفيش سـ . ـم في الفنجان، السـ . ـم كان في القلوب اللي عشت معاها ١٥ سنة ومكنتش عارفاها.
تمت

