منوعات

سريـ . ـر من ذهب وقدمين من طين

أشار يوسف بأصبعه الصغير إلى صدر سيف وقال أريدك فقط أن تبطل تبكي وحدك. كانت الجملة على بساطتها كالقذيفة التي حطمت جدران الألـ . ـم القديم داخل قلب سيف. ومنذ ذـ . لك الصباح، صار يوسف يزور قصر سيف كل يوم قبل أن تبدأ أمه عملها؛ يقرأ له قصصًا مصورة، ويحكي له حكايات تضحكه، ويدفع كرسيه المتحرك في أرجاء الحديقة. ومع مرور الأسابيع، حدثت المعجزة؛ بدأ سيف يحاول تحريك أصـ . ـابع قدمه لأول مرة منذ سنوات، لا لأنه صدق تشخيصات الأطباء، بل لأنه صدق إيمان طفل صغير به.
دخلت المفاجأة الكبرى إلى القصر في أحد الأيام عنـ .

ـدما وصل الطبيب الخاص لسيف لإجراء الفحص الدوري، وتفاجأ بوجود يوسف يجلس بالقرب من رجل الأعمال ويمازحه. تغيرت ملامح الطبيب فجأة، وشحب وجهه، والتفت إلى فاطمة يسألها بنبرة مليئة بالقلق والتوجس من هذا الطفل؟ . أجابته فاطمة مستغربة هذا ابني يوسف. اقترب الطبيب من الطفل، وتأمل تفاصيل وجهه وشامته الصغيرة وعينيه طويلاً، ثم التفت إلى سيف وقال بصوت يرتجـ . ـف يا سيف بك هذا مستحيل!.
صاح سيف بعصبـ . ـية وضيـ . ـق ما هو المـ . ـستحيل؟ تكلم!. قال الطبيب وهو يتراجع خطوة إلى الوراء هذا الطفل نسخة طبق الأصل من ابنك الراحل الذي اختفى من المـ .

ـستشفى قبل ست سنوات!. صـ . ـرخت فاطمة بفزع ابنه؟! يوسف ابني أنا، أنا من ربيته!. ارتجف جسد سيف بالكامل، وتذكر تلك الليلة المشـ . ـؤومة التي مـ . ـاتت فيها زوجته أثناء الولادة، وأخبره شقيقه والأطباء حينها أن الجـ . ـنين وُلد ميـ . ـتًا ولم ينجُ. طلب سيف إجراء تحليل الحمض النووي DNA فورًا وبشـ . ـكل عاجل، بينما كانت فاطمة تبكي بحـ . ـرقة ووتقسـ . ـم أنها وجدت يوسف رضيعًا ملفوفًا بقماش فاخر أمام باب منزلها قبل ست سنوات، فتبنته وربته كابنها لأنها لم تنجب.
في تلك الليلة، وقبل أن تظهر النتيجة الرسـ .

ـمية للتحليل، كانت الأجواء في القصر مشحونة بالتوتـ . ـر. انفتح باب غرفة مكتب سيف ببطء، ودخلت الخادمة العجوز التي تعمل في القصر منذ ثلاثين عامًا وهي ترتجف كالسعفة، وتحمل في يدها ظرفًا أصفر قديمًا غطاه الغبار. جثت على ركبتيها وقالت بدمـ . ـوع تملأ وجهها سامحني يا سيدي اغفر لي خطيئتي. زوجتك الراحلة قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة في المـ . ـستشفى، تركت هذا الظرف مع ممـ . ـرضة تثق بها، ولكن شقيقك هددني بقتــ ـل عائلتي وأجبرني على إخفائه طوال هذه السنوات.
انتزع سيف الظرف بملامح مرعـ .

ـبة وفضّه، ل يجد بداخله صورة لرضيع حديث الولادة، وسوار مستشفى بلاستيكي صغير مكتوب عليه بالخط العريض المولود يوسف سيف الهنائي. وقبل أن تخرج من حلقه صـ . ـرخة غضـ . ـب أو ذهول، وقـ . ـعت عيناه على رسالة مطوية بخط يد زوجته الراحلة، كتبت فيها بضع كلمـ . ـات كانت بمثابة المفتاح لكابـ . ـوس دبر بليل زوجي الحبيب سيف إذا وقـ . ـعت هذه الورقة في يدك وعاد طفلنا إلى القصر يوماً، فاعلم أن حـ . ـادث السير الذي تعرضت له لم يكن قضاءً وقدرًا. أخوك مدحت هو من سـ . ـرق ابننا الرضيع وأمر بالتخلـ .

ـص منه، وهو من دبر حـ . ـادث سيارتك وكسـ . ـر ساقيك ليقعدك عن العمل ويستولي على حصتك في الشـ . ـركة. لقد عشت أيامي الأخيرة مرعـ . ـوبة منه، وابننا هو الوريث الوحيد، فاحمه منه.
انتهت الرسالة، لتكشف التحاليل في الصباح التالي تطابقًا بنسبة مئة بالمئة؛ ليتأكد سيف أن الطفل الذي أنقذ روحه من الانتـ . ـحار واليأس لم يكن سوى قطرة من دمه، وأن عدوه الأكبر كان يشاركه القصر والمكتب، ليبدأ سيف رحلة جديدة لم تكن فقط للمشي على قدميه، بل للانتقـ. ـام واستعادة حق ابنه يوسف الذي عاد ليضيء القصر من جديد.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى