
كان سيف الهنائي أغنى رجل أعمال في القاهرة، اسـ . ـمه وحده يكفي أن يفتح الأبواب المغـ . ـلقة، ويرعـ . ـب كبار الموظفين، ويجعل الناس يحسبون ألف حساب لكل كلمة تخرج من فمه. لكن في ذـ . لك الصباح الخريفي، كان جالسًا وحده في حديقة قصره الشاسع، على كرسي متحرك، يبكي بصمت مرير تحت شمس خفيفة لم تدفئ قلبه البارد. لم يكن حوله أحد من أبنائه الكبار، ولا شـ . ـركائه في العمل، ولا حتى أصدقائه الذين كانوا يملؤون القصر صخبًا أيام قوته ونفوذه؛ فقد انفض الجميع من حوله بعد أن أقعده حـ .
ـادث سير مروع شلّ حركته وقدرته على إدارة إمبراطوريته.
على الجانب الآخر من الحديقة، كانت عاملة النظافة فاطمة تكنس الممر البعيد، وتحاول جاهدة ألا تنظر إليه حتى لا يغضـ . ـب، فقد كان سريع الاشتعال منذ إصـ . ـابته. لكن ابنها الصغير يوسف، ذو السنوات الست، كان يراقب دمـ . ـوع الرجل العجوز
باستغراب طفولي بريء لا يعرف الخـ . ـوف أو الفوارق الطبقية. فجأة، ترك يوسف يد أمه، ومشى بخطواته الصغيرة فوق العشب الأخضر المبلل باتجاه الكرسي المتحرك. شهقت فاطمة برعـ . ـب وهمست بصوت مخنـ . ـوق يوسف ارجع!، لكن الطفل لم يسـ . ـمعها، أو ربما تجاهلها بدافع الفضول والرحمة.
وقف الطفل أمام سيف مباشـ . ـرة، ونظر إلى وجهه المتغضّن، ثم وضع يده الصغيرة الدافئة على ركبته المشلولة وقال بعفوية يا عم لماذا تبكي؟. رفع سيف رأسه بسرعة، وعيناه تتطاير منهما المفاجأة، وحاول أن يمسح دمـ . ـوعه على عجل كأن طفلًا صغيرًا قد فضـ .
ـح ضعفه وانكساره أمام العالم. صمت الرجل لثوانٍ ثم قال بصوت مكسور ومبحوح أبكي لأنني لم أعد أستطيع المشي يا بني. نظر يوسف إلى قدمي الرجل، ثم رفع عينيه وقال ببساطة مدهشة ولكنك لسه عايش!.
تجمد سيف في مكانه، وشعر بقشعريرة تسري في جسده؛ فمنذ وقوع الحـ . ـادث لم يحدثه أحد بهذه الرحمة ولا بهذه القسـ.ـوة البريئة التي تضع الإصبع على الجـ . ـرح وتمنح الأمل في آن واحد. استجمع سيف أنفاسه وقال الأطباء قالوا إنني لن أقف على قدمي مرة أخرى أبدًا. ابتسـ .
ـم يوسف وقال بثقة أمي تقول دائمًا إن ربنا يفتح أبوابًا جديدة لما الناس تقفل كل الأبواب. في تلك الأثناء، كانت فاطمة تبكي من بعيد وهي ترتجف، خـ . ـوفًا من أن يطـ . ـردها سيف من العمل ويشـ . ـردها بسبب جرأة ابنها وتطفله على خصوصية سيد القصر.
لكن سيف لم يغضـ . ـب ولم يطـ . ـردها، بل أحس بنبض غريب يعود إلى قلبه الميـ . ـت. أمسك يد الطفل الصغيرة برفق وقال هل تستطيع أن تبقى معي قليلًا؟. التفت يوسف إلى الخلف وقال لو أمي وافقت. نظر سيف إلى فاطمة البعيدة، ولأول مرة في حياته تنكسـ .
ـر كبرياؤه ويقول بلهجة رجاء لعاملة في بيته دعيه يبقى معي بعض الوقت أرجوكِ. هزت فاطمة رأسها بالموافقة وهي مذهولة مما تراه وتسـ . ـمعه.
جلس يوسف على الأرض بجانب الكرسي المتحرك، وبدأ يحكي لرجل الأعمال عن مدرسته، وعن ألعابه البسيطة، وعن حلمه الكبير في أن يشتري لأمه بيتًا صغيرًا قويًا لا تدخل فيه ريح الشتاء الباردة. كان سيف يستمع إليه بإنصات تام، وشعر وكأنه يسـ . ـمع نبض الحياة الحقيقية لأول مرة، بعيدًا عن زيف أموال البورصة والمنافقين. بعد دقائق من حديث الطفل العذب، غـ . ـلبت سيف عاطفته فبكى بحـ .
ـرقة، وامتدت يده ليمسك بكتف يوسف وقال بلهفة ابقَ هنا معي دائمًا يا يوسف أنقذني من وحدتي وسأمنحك ثروتي وكل أملاكي في هذه الدنيا.
سقطت المكنسة من يد فاطمة ووقفت مشدوهة، فالطفل الصغير يملك الآن فرصة ليصبح من أثرياء البلاد. لكن يوسف هز رأسه بالرفـ . ـض وقال ببراءة أنا لا أريد فلوسك يا عم. انصدم سيف وتساءل بذهول ماذا تريد إذن إن كنت لا تريد المال؟.