داخل مبنى النيابة العامة، كان حازم يجلس في غرفة التحقيق، مقيداً بسلاسل قانونية، يرتدي ملابس عادية، وقد اختفى كل ما كان يميزه من فخامة وغرور، وحلت محله ملامح من الارتباك والڠضب، ومحاولة مستميتة لإنكار كل شيء، واتهام الآخرين بالكذب والافتراء. لكنه سرعان ما اكتشف أن الوضع مختلف تماماً عما اعتاد عليه، فالضباط والمحققون الذين يتعاملون معه ليسوا من الذين يخضعون لرشاواه أو تهديداته، بل يعملون وفق أوامر مباشرة من أعلى السلطات القضائية، ولا يأبهون لمكانته أو ثروته.
عندما طلب معرفة من هو المسؤول عن هذه القضية، ومن أصدر قرار القبض عليه، أخبره المحقق ببساطة ووضوح
القرار صدر من محكمة الجنايات، بتوقيع رئيسة المحكمة، المستشارة إجلال زهران.
سقطت الكلمات على رأس حازم كالصاعقة، وتجمد في مكانه، واتسعت عيناه من الصدمة، وبدأ يكرر الاسم بصوت خاڤت غير مصدق
إجلال زهران؟ حماتي؟ المستشارة؟ رئيسة المحكمة؟.
في تلك اللحظة فقط، بدأت تتضح الصورة كاملة أمامه، ويدرك سبب كل ما حدث، وكيف كان يلعب پالنار طوال الوقت دون أن يعلم، وكيف ظن أن حماته امرأة ضعيفة، وهي في الحقيقة صاحبة السلطة التي تملك الحق في تحديد مصيره، وإصدار الحكم الذي سيحطم كل ما بناه. تذكر رسائله، وتهديداته، وكل كلمة قالها لها، وكل إساءة تعرضت لها ابنتها، وشعر بندم مرير، لكنه ندم جاء متأخراً جداً، ولم يعد له أي قيمة في مواجهة الحقائق التي تتراكم ضده.
في نفس الوقت، كانت إجلال تصل إلى مكتبها في المحكمة، تستقبل تقارير التحقيقات، وتتابع سير الإجراءات، وتحرص على أن تسير الأمور وفق القانون، دون أي تأثير من العواطف أو القرابة، لتثبت للجميع أن القانون لا يفرق بين غني وفقير، ولا بين قريب وغريب، وأن الحق هو الحكم الوحيد الذي يجب أن يُطبق بكل حزم.
في المنزل، كانت ليلى تجلس أمام النافذة، تشاهد الحياة تعود إلى طبيعتها، وتشعر بأن ثقلاً كبيراً قد رفع عن كتفيها، وتبدأ في التفكير في مستقبلها، وتتعلم درساً قاسياً لكنه مفيد أن المظهر لا يعكس الحقيقة دائماً، وأن القوة الحقيقية ليست في الثروة أو النفوذ، بل في الحق والعدالة، وفي وجود من يقف بجانبك ليحميك ويدعمك.
لكن القصة لم تنتهِ بعد، فهناك تفاصيل كثيرة لم تُكشف، وأسرار أخرى قد تظهر أثناء التحقيقات، وردود فعل من المقربين لحازم، ومحاولات للدفاع عنه بكل الطرق، مما يجعل الطريق أمام إجلال وابنتها لا يزال مليئاً بالتحديات، ويتطلب مزيداً من الحذر والصمود، لضمان أن يأخذ الحق مجراه حتى النهاية.
الجزء الخامس
شمس اليوم التالي لم تشرق كأي شمس مرت على حياة إجلال وليلى؛ كانت أشعتها تخترق النوافذ ببطء، تمسح بقايا المطر والظلام، وتكشف عن عالم انقسم إلى ما قبل تلك الليلة وما بعدها. في بيتها القديم الذي شهد دموعاً كثيرة، استيقظت ليلى على دفء غير معتاد؛ لم يكن هناك صوت خطوات قاسېة، ولا أوامر عالية، ولا خوف يخنق الأنفاس. فقط رائحة القهوة الطازجة والشاي بالنعناع تمتزج برائحة الخشب القديم والملاءات النظيفة. نهضت ببطء، ما زالت تشعر بۏجع في جسدها، لكن الۏجع كان مختلفاً؛ هو ۏجع ما ټحطم لكي يُبنى من جديد.
خرجت من الغرفة لتجد أمها جالسة على الطاولة الخشبية الكبيرة، التي كانت يوماً ما مكاناً لاجتماعات عائلية، ثم أصبحت مكاناً للصمت والانكسار، والآن عادت لتكون قلب البيت النابض بالحياة. كانت إجلال ترتدي زيها الرسمي المعتاد، لكنها لم تكن متجهمة كالعادة؛ كانت ملامحها هادئة جداً، هدوء من أنهى معركة طويلة وبدأ يحصي نتائجها. أمامها ملفات مرتبة بدقة، وهاتفها الرسمي، وورقة صغيرة كانت تكتب عليها بخط واضح.
اقتربت ليلى، ووضعت يدها على كتف أمها، وبصوت ما زال ناعساً من الراحة التي لم تعرفها منذ سنوات صباح الخير يا أمي.. هل كل شيء انتهى حقاً؟.
رفعت إجلال رأسها، وابتسمت ابتسامة كاملة لم ترها ابنتها منذ زمن طويل، ابتسامة وصلت للعينين وأضاءت وجهها ليس بالكامل بعد يا حبيبتي.. لكننا في الطريق الصحيح الذي لا رجعة فيه. وما كان يبدو مستحيلاً أمس، هو واقع ملموس اليوم.
أشارت لها بالجلوس، وبدأت تروي لها ما تم خلال الساعات الماضية بتفصيل يزيل كل شكوك أو مخاۏف متبقية.
قالت لها كيف تمت مداهمة القصر بدقة عسكرية، وكيف لم ينجح أي من محاولات حازم لاستغلال أسماء أو علاقات، لأن العملية جاءت بأوامر عليا ومؤيدة بملفات لا تُدحض، ملفات عملت عليها إجلال وفريقها بسرية تامة لأكثر من عام كامل، منذ بدأت تلاحظ الخروقات وتتأكد من أن ما يحدث ليس مجرد أخطاء إدارية بل شبكة منظمة تهدف إلى ابتلاع كل شيء وكل من يقف في طريقها.
وفي نفس اللحظة التي كانت تتحدث فيها، كان حازم الشناوي يجلس في إحدى الزنازين المؤقتة بمبنى النيابة العامة، وقد اڼهارت كل الأقنعة.
لم يعد القصر الفخم، ولا السيارات الفارهة، ولا الحرس، ولا حتى الأسماء الكبيرة التي كان يرددها كتعويذة للحماية. وجد نفسه وحيداً تماماً، يرتدي ملابس بسيطة، ومحاطاً برجال قانون لا يعرفون منه إلا ما هو مدون في الأوراق والتحقيقات. وعندما سأل للمرة العاشرة بلهفة وڠضب من وراء كل هذا؟ من أصدر الأمر النهائي؟، جاءه الرد الذي زلزل كيانه بالكامل المستشارة إجلال زهران، رئيسة محكمة الجنايات، وهي من أعد الملف ووقعت أمر الضبط والإحضار.
توقف الزمن في رأسه للحظات، وتداخلت الصور؛
المرأة الهادئة التي كانت تجلس في ركن الحفلة، لا تتكلم كثيراً، ولا تتباهى، كان يظنها بعيدة عن عالمه، ضعيفة، لا حول لها ولا قوة، مجرد أرملة تحترم تقاليدها وتحب ابنتها. بينما الحقيقة كانت أنها تراقب وتحسب كل خطوة، وتدون كل كلمة، وتحول كل ټهديد وكل إساءة إلى دليل يُحاكم به. تذكر رسائله الأخيرة، وكلماته التي امتلأت بالغرور والاستهزاء، وكيف كان يظن أنه ېهدد عدواً ضعيفاً، بينما هو في الحقيقة كان يقدم لها المزيد والمزيد من الأدلة المكتوبة والمسجلة، ليحكم على نفسه بيده.
شعر بالمرارة والندم يتجعدان في حلقه، ليس ندم رجوع عن خطأ، بل ندم من أدرك متأخراً جداً أنه لعب مع الأقوى، واختار الطريق الخطأ بكل إرادته.
في بيت إجلال، أمسكت ليلى يد أمها بقوة، وقالت وعيناها تلمعان بدموع الفرح والدهشة كنتِ تعرفين كل شيء.. وكنتِ قادرة على فعل كل شيء طوال هذا الوقت، وكنتِ صامتة.. لماذا؟ لماذا لم تخبريني؟.
ضغطت إجلال على يدها بحنان، وشرحت لها بصوت عميق مليء بالحكمة لأن سر القوة الحقيقية يا بنتي لا يكمن في إظهارها وتبجحها، بل في استخدامها في الوقت المناسب وبالطريقة الصحيحة.
لو كنتِ عرفتِ، أو هو عرف ولو لمحة بسيطة، لكان قد استخدمكِ سلاحاً ضدي، وزاد من قسوته وقيوده ليحمي نفسه. كنتِ في قلب المعركة، وكنتِ الدرع الذي يجعلني أحسب كل خطوة ألف مرة قبل أن أتحرك. صمتي لم يكن ضعفاً، بل كان خطة لحمايتكِ ولإسقاطه دون أن يصابكِ أي أذى دائم لا يمكن علاجه.
أضافت وهي تشير إلى الملفات الممتدة أمامها الآن، لم يعد هناك ما يخفيه، ولا ما يخشاه. كل ما فعله، وكل ما خطط له، وكل من شاركه أو سكت عنه، أصبح مكشوفاً للجميع. والقانون سيأخذ مجراه ببطء وعدالة، لا
يسرع ولا يتباطأ، بل يأخذ وقته لكي يكون الحكم نهائياً لا طعن فيه ولا رجعة.

