
تذكرت يوم زفافنا، عندما دمعت عين والدي، عادل، وهو يسلمني إليه قائلاً خلي بالك منها وعاملها بما يرضي الله. وكيف هز شريف رأسه بصدق وأمانة مصطنعة. وتذكرت أمي، ليلى، التي كانت تثني عليه في كل لقاء وتعتبره ابنًا لها وليس زوج ابنتها.
لكن اتضح في النهاية أنهم لم يكونوا يبحثون عن زوجة وابنة… بل كانوا يبحثون عن حمار يكدح ليجمع لهم المال.
أغلقت عيني، واستنشقت نفسًا عميقًا، ثم فتحتهما ببطء.
كانت أطراف عيني تحرقني من الدموع المحبوسة، لكن رؤيتي للمستقبل أصبحت الآن أوضح من أي وقت مضى.
في تلك اللحظة، رن الهاتف مجددًا.
كان المتصل هو شريف.
نظرت إلى اسمه وهو يضيء على الشاشة، وتوقفت أصابعي فوق زر الرد لكنني لم أضغط عليه. تركت الهاتف يرن طوال الأربعين ثانية حتى انقطع الاتصال تلقائيًا.
وبعد ثوانٍ قليلة، وصلتني منه رسالة عبر الواتساب
الفلوس منزلتش في الحساب ليه لغاية دلوقتي؟ بابا محتاج يدفع مصاريف المستشفى والعملية فورا، متمطليش وتضيعي وقت!
قرأت الرسالة، وكتبت له بهدوء شديد حرفًا بحرف
حاضر، أنا بحولها حالا من الموبايل. متبقاش قلقان.
أرسلت الرسالة، ثم وضعت الهاتف في حقيبتي، واستدرت متوجهة نحو موقف السيارات.
لقد بدأت المسرحية… وحان الوقت لأصعد أنا على خشبة المسرح وأدير العرض بطريقتي.
رتبتُ حقيبتي بهدوء، وأخذتُ نَفَسًا عميقًا وأنا أستمع إلى صوت محرك سيارتي وهو ينطلق. الخطة في رأسي لم تكن مجرد رد فعل، بل كانت طبخة على نار هادئة، وأولى خطواتها تبدأ الآن… من نفس الممر الضيق في المستشفى.
الفصل الثاني العرض المسرحي الأخير
في تمام الساعة الحادية عشرة صباحًا، وصلتُ إلى المستشفى مجددًا. لكن هذه المرة، لم أكن تلك الزوجة المذعورة التي تقف خلف الأبواب. كنتُ أرتدي نظارتي الشمسية السوداء، وأمسك بيدي حقيبة يد فخمة، وبداخلي برودٌ يوازي برود المحيطات.
وقفتُ أمام باب الغرفة، وضعتُ يدي على المقبض، ودون أن أطرق الباب… دفعته بقوة ليصطدم بالحائط مُحدثًا جلبة شديدة!
توقفت الضحكات فجأة.
تجمدت التفاحة في يد الحاج رأفت، وسقطت الولاعة من يد هاني، بينما التفت شريف ووالدته بنظرات ملؤها الرعب والمفاجأة.
فريدة؟! أنتِ… إيه اللي جابك هنا؟! تلعثم شريف وهو يتقدم نحوي بسرعة محاولاً حجب رؤية والده بجسده. مش قلتلك بابا في العناية المركزة وممنوع الزيارة؟!
تجاهلته تمامًا، وخطوتُ خطوات واسعة نحو السرير. نظرتُ إلى الحاج رأفت الذي كان يحاول في ارتباك كوميدي أن يستلقي على السرير ويدعي التعب، ويخفي التفاحة خلف ظهره.
يا خبر يا شريف! العناية المركزة بقت مودرن أوي في المستشفى دي! قلتها بنبرة صوت عالية تملأ الممر الخارجي seng، وتابعتُ بابتسامة تقطر سخرية ده حتى النزيف في المخ بيخلي الوش يرد ويربرب، ويفتح النفس على أكل التفاح الأمريكي! سبحان الله، معجزة طبية لازم تتسجل باسم المستشفى!
احمرّ وجه الحاج رأفت من الغيظ والفـ,ـضائح، بينما صرخت الحاجة نادية بارتباك يا بنتي.. هو.. هو لسه منقول من العناية حالا.. الدكاترة قالوا…
دكاترة؟! قاطعتها بحدة، ثم التفتُ إلى شريف الذي كان يحاول إمساك ذراعي لإخراجي. نفضتُ يده بعنف وقلت بصوت حازم هز أركان الغرفة
متمثلش يا شريف.
أنا واقفة ورا الباب ده من الساعة تمانية الصبح. سمعت كل كلمة. سمعت أغبى من الحمار، وسمعت خطة رهن شقتي، وسمعت تقييم السمسار لل 2 مليون و ألف!
وقع الكلمات كان كالصاعقة. ساد صمت ممـ,ـيت، لدرجة أن صوت أنفاسهم المرتبكة كان مسموعًا.
فريدة، اسمعيني بس.. أنتِ فاهمة غلط.. حاول شريف التبرير ووجهه يتصبب عرقًا.
أنا فاهمة صح جدًا يا ابن الحاج رأفت. نظرت إليهم جميعًا بنظرة احتقار جعلتهم يطأطئون رؤوسهم، ثم أخرجت هاتفي وفتحت تطبيق البنك وعرضت الشاشة في وجه شريف الفلوس؟ ال 300 ألف؟ بححح.. طارت. الحسابات تجمّدت، والفيزا اتلغت.
مفيش مليم واحد هيطلع من اسم فريدة لعيلتكم النصابة بعد النهاردة.
استدرتُ نحو الباب، وقبل أن أخطو خطوة واحدة، التفتُّ إليهم وقلت ببرود قاتل صحيح.. بما إن بابا خف وبقى زي الحصان، جهزوا نفسكم.. عشان الحفلة الحقيقية لسه مبدأتش.
خطة الانتقام قلب الطاولة
خرجتُ من المستشفى والدراما خلفي تشتعل. ركبت سيارتي ولم تدمع عيني دمعة واحدة؛ فقد استبدلتُ الحزن بالذكاء. شريف وعائلته ظنوا أنهم يتعاملون مع صيد سهل، ولم يدركوا أنهم سلموا رقابهم لي يوم أن جعلوني الممثل القانوني للشركة.
بدأتُ بتنفيذ خطة الانتقام على ثلاثة محاور
1.
قطع شريان الحياة الشركة
توجهتُ فورًا إلى مقر الشركة. بصفتي الممثل القانوني وصاحبة الحصة الأكبر، أصدرتُ قرارات فورية
تغيير كالون مكتب شريف ومنعه من دخول الشركة.
سحب تفويض التوقيعات الشيكات المعطى له سابقًا، وإبلاغ البنك التجاري الخاص بالشركة بلجوئي للقضاء لتعديل الإدارة.
أمرتُ الحسابات ب تجميد راتبه ونسبته فورًا لإجراء فحص مالي شامل بسبب شبهة اختلاس.
2. الفخ المالي الديون
تذكرتُ أن شريف كان قد أقنعني الشهر الماضي بتوقيع شيك لشركة توريدات كبرى باسم شركتنا، وكان هو الضامن الشخصي فيه بورقة رسمية وقعها لي ظنًا منه أنني لن أستخدمها.
اتصلتُ بصاحب شركة التوريدات وكان صديقًا لوالدي عمو أحمد، الشيك اللي مع حضرتك باسم شركتنا؟ أنا هسدد قيمته من حسابي الخاص بشرط واحد… ترفع قضية ومطالبة قضائية بالدفع فورًا ضد شريف بصفته الضامن الشخصي.
بهذه الحركة، نقلتُ الدين من ذمة الشركة إلى ذمته هو الشخصية ليصبح مهددًا بالسجن.
3. طردهم من الجنة
الشقة التي نعيش فيها هي شقتي قبل الزواج، لكن شريف كان قد أقنعني بكتابة عقد إيجار صوري طويل الأجل باسمه ليثبت محل إقامته لأمور تجارية.
ذهبتُ إلى محامٍ خبير، وبدأنا إجراءات دعوى طرد مستعجلة مستغلين عدم دفعه للإيجار الصوري المذكور في العقد لثلاثة أشهر متتالية، مع تغيير قفل الشقة ورمي ملابسه في حقائب عند حارس العقار.
المواجهة الليلة
في الساعة التاسعة مساءً، كنتُ أجلس في صالون شقتي الهادئة، أرتشف كوبًا من الشاي الدافئ.
فجأة، بدأ الباب يهتز بعنف، وصوت جرس الباب يرن دون توقف، متبوعًا بصوت شريف وهو يصرخ بجنون من الخارج
فريدة! افتحي الباب! أنتِ غيرتي الكالون ليه؟! الموظفين في الشركة طردوني ورفضوا يدخلوني! افتحي وبطلي جنان!
وقفتُ خلف الباب المقفل بقوة، ولم أفتحه.
تحدثتُ بنبرة هادئة، هدوء يسبق العاصفة التي ستقتلع عائلته بالكامل
شريف.. هدومك وحاجتك عند البواب تحت في الشارع. الشقة دي شقة الحمارة اللي كنتم بتضحكوا عليها الصبح. والشركة بقت بتاعتي لوحدي قانونيًا. بكرة الصبح هيوصلك إعلان بالقضية اللي رفعها عليك المورد.. قضية جنحة شيك بدون رصيد بصفتك الضامن.
ساد صمت لثوانٍ خلف الباب، ثم تحول صراخه إلى توسل وذعر فريدة.. أرجوكي.. بابا تعب بجد لما عرف بحوار الفلوس.. والشركة هتقع.. خلينا نتفاهم، أنا بحبك ومستعد أصلح كل حاجة!
ابتسمتُ بانتصار، وقبل أن أبتعد عن الباب لتصفح أوراق طلاقه، قلت كلمتي الأخيرة
قفلنا باب التفاهم يا شريف.
روح بقى ل بابا وهاني.. ووريني هتعرفوا تطلعوا من الفخ ده إزاي.
