
مارتا حاولت تقفل الباب بسرعة، بس طارق حط رجله ومنعه لو سـ . ـمحتِ.. أنا عاوزة أعرف أنا مين بس.
الممـ . ـرضة العجوزة بصت لي.. بصت في وشي أوي، وشفايفها اتهزت يا مريم العذراء..
أمي زقتها ودخلت وصوتها بيتجـ . ـرح بنتي.. بنتي فين؟
مارتا بدأت تعيـ . ـط.. مش عياط ذوقي ولا عياط واحدة اتمسكت في غـ . ـلـ . ـطة.. ده كان عياط ست بقالها 28 سنة مستنية العقـ . ـاب والذنـ . ـب يخلص.
دخلتنا شقتها الصغيرة، كانت ريحتها أدوية وأسرار قديمة.
على الحيطة كان في صليب خشب وتحته صورة قديمة لمارتا وهي في سن الشباب بلبس التمريض الأبيض.
قعدت وشبكت إيديها ببعض أنا اتقال لي إن ابن أو بنة عيلة الألفي مـ . ـاتت ليلتها.
أمي طلعت صوت مكتوم ومسكت في دراعي.
مارتا هزت راسها بسرعة لأ.. مش مـ . ـاتت. ده اللي الدكتور قالهولي ليلتها. كان في بنت تانية من ست تانية، مولودة ضعيـ . ـفة جداً وبتمـ . ـوت. المـ . ـستشفى كانت مقلوبة، النور قطع لكام دقيقة، والمولد بـ . ـاظ في الجـ . ـناح الشـ . ـرقي. حالتين ولادة في نفس الوقت.. بنتين..
عيلة غنية وليها نفوذ، وست غـ . ـلبانة لوحدها.
زعقت فيها مين الست دي؟ اسـ . ـمها إيه؟
بلعت ريقها بصعوبة ست كان اسـ . ـمها نعمة رأفت.
الاسـ . ـم مكنش يعني لي حاجة، ومع ذـ . لك قلبي دق بسرعة كأنه افتكر نغمة قديمة كان بيسـ . ـمعها وهو جـ . ـنين.
قالت مارتا وهي باصة في عنيا هي ولدت الساعة 1147 بالليل.. وأمك ولدت 1158.
جدتي غمضت عينيها الحداشـ . ـر دقيقة.. القبـ . ـر المفتوح بين حياتين.
مارتا كملت الدكتور اللي كان واقف اسـ . ـمه دكتور شـ . ـريف بدير.
هو اللي قال البنت دي لازم تتنقل للحضانة والملاحظة فوراً. ادى الأوامر وأنا نفذت. لما رجعت.. لقيت غوايش التمريض والبطاقات اللي في إيدين العيال اتبدلت.
أمي همست والرعـ . ـب واكلها مين اللي بدلها؟
عينين مارتا اتملت خـ . ـوف مقدرش أثبت.. مقدرش.
جدتي زعقت انطقي الاسـ . ـم يا مارتا!
بصت في الأرض الدكتور.. دكتور بدير.
الأوضة سقعت.. سألتها ليه؟ ليه يعمل كده؟
مارتا حطت قفل إيدها على بوقها عشان الست اللي اسـ . ـمها نعمة دي اختفت وهربت قبل الصبح. مفيش ورق خروج، مفيش قرايب، مفيش أي حاجة. ومدير المـ .
ـستشفى قال لنا ليلتها لو حد فتح بوقه، هنترمي في الشارع وبيوتنا هتتخرب.
أمي كانت بتهز راسها بانهيـ . ـار طب بنتي فين؟ بنتي أنا فين؟
مارتا وقفت بصعوبة وراحت لصندوق حديد قديم جـ . ـنب الشباك. من تحت شيلان قديمة وفواتير علاج، طلعت دوسيه بني متقفل ببلاستيك.
وقالت أنا شلت نسخ.. مش كل حاجة، بس اللي يكفي.
كان جوه الدوسيه ورقتين إخطار ولادة.. بصمتين لرجليتن عيلين صغيرين.. اسـ . ـمين للأمهات.. وصورة أبيض وأسود قديمة وممسوحة لدرجة إنك بالعافية تشوف الملامح.
شاورت مارتا بصـ .
ـابعها على العيل اللي في الصورة دي كانت بنت مدام ميرفت الألفي.
أمي لمـ . ـست الصورة بصوابع بترتعش.. وهناك، على الرقبة الصغيرة، كأنها شـ . ـرارة سابها ربنا كعلامة، كانت في وحمة صغيرة على شـ . ـكل شعلة نـ . ـار.
أمي انهارات واترمت في حـ . ـضن جدتها. وأنا فضلت قاعدة متثبتة في مكاني.. حياتي كلها كانت إجابة على السؤال الغـ . ـلـ . ـط.. عاصم كان دايماً بيسأل أنتِ بنت مين؟ في حين إن السؤال الصح كان مين اللي أخد بنت ميرفت؟
مارتا ناولتنا آخر ورقة في الدوسيه..
كانت ورقة تحويل، مكتوب فيها سطر واحد بالحبر الأزرق
ملجأ مؤقت، دار نور الحياة للمغتربات والمطلقات، القاهرة القديمة.
وتحت السطر ده، كان في ملحوظة مكتوبة بخط مارتا المرعش بعد سنين طويلة
البنت اتشافت مرة واحدة.. السن تقريباً 6 سنين.. الاسـ . ـم الجديد تارا.
نفسي انقطع.. تارا!
في مكان ما، بنت أمي ليها اسـ . ـم.. في مكان ما، في بنت برقبتها شعلة نـ . ـار عايشة حكاية مش حكايتها، وجوا قصة ناس تانية.
أمي رفعت راسها وعينيها فيها جـ . ـنـ . ـون ودوني ليها.. خدوني لبنتي.
جدتي مسحت دمـ .
ـوعها يا ميرفت احنا منعرفش هي فين دلوقتي بعد السنين دي كلها.
وش مارتا اتقلب وبان عليه خـ . ـوف تاني خالص.. خـ . ـوف مش من الماضي، خـ . ـوف من اللي بيحصل دلوقتي في حاجة تانية لازم تعرفوها. . أنا مش خايـ . ـفة منكم أنتوا بس.
بصت لي وهمست من أسبوعين.. في حد جه هنا، وكان بيسأل على نفس الدوسيه ونفس الملف ونفس البنت.
طارق قرب منها بسرعة مين؟ مين اللي جه؟
مارتا مدت إيدها جوه الدوسيه وطلعت كارت شخصي صغير Business Card.. الاسـ .
ـم المطبوع عليه خلى الدم يقف في عروقي ويسقع زي التلج
كريم الألفي.
أخويا.. الابن الذهبي المدلل.. الراجل اللي كان بيوطي عينه في الأرض كل ما أبويا يشتـ . ـمني ويقولي يا بنت الحـ . ـرام.. الراجل اللي كان عـ . ـارف يدور فين ومن قبلنا كلنا!
أمي بحلقت في الكارت، ووشها فضي تماماً من الدم.
وفي نفس اللحظة.. تليفوني رن.. رقم غريب ومش مسجل.
رديت من غير ما أفكر.. ومن غير ما أنطق.
لمدة تلات ثواني، مكنش في غير صوت نفس عالي ومتردد على الخط.. وبعدين صوت ست طلع، صوت هادي وبيترعش شاهيناز الألفي؟
أيوة.. أنا.. مين معايا؟
أنا اسـ . ـمي تارا.
أمي قفشت في معصم إيدي لدرجة الوجـ . ـع، والبنت اللي على الخط بدأت تعيـ . ـط وتشهق أنا.. أنا أظن إني بنت ميرفت الألفي.
وقبل ما أقدر أنطق، وقبل ما أمي تتخطف التليفون مني، وقبل ما أي حد فينا ياخد نفسه.. تارا همست بالكلمة اللي قسـ . ـمت دنيتنا نصين للمرة التانية
أرجوكي.. أوعي تثقي في كريم.. هو اللي وصلى الاول .
سحبت أمي التليفون من إيدي وجـ . ـنـ . ـون الدنيا كله في عينيها، صـ . ـرخت في السـ . ـماعة وصوتها شـ .
ـرخ لدرجة هزت الأوضة الصغيرة تارا؟ أنتِ فين يا بنتي؟ ردّي عليا.. كريم عملك إيه؟
الخط قطع.
صوت الصفارة الباردة بتاعة قفل الخط خلت الأوضة ترجع لسكون مرعـ . ـب. حاولت أتصل تاني، الرقم الذي طلبته غير متاح حالياً. جربت مرة، اتنين، تلاتة.. مفيش فايدة. التليفون اتقفل.
بصيت لطارق وجدتي، النظرات مكنتش محتاجة كلام. كريم، الأخ الكبير اللي عاش طول عمره عاقل ومثالي ويقول حاضر ونعم لأبويا، كان بيلعب لعبة تانية خالص ومن ورا ظهر الكل.
سيبنا بيت الممـ .
ـرضة مارتا ونزلنا السلم جري، وطارق كان بيحاول يهدي أمي اللي كانت بتترعش في العربية كأنها جالها حمى. طول الطريق من مصر القديمة لحد ما وصلنا فيلا الزمالك تاني، الأسئلة كانت بتاكل في دماغي كريم عرف منين؟ وليه دور على تارا؟ والأهم.. ليه تارا بتقول متحطوش إيدكم في إيده؟
دخلنا الفيلا زي الإعصار. الساعة كانت دخلت على 11 بالليل. الأنوار كلها كانت مطفية ما عدا صالون الدور الأرضي.
أول ما فتحنا الباب، لقينا كريم قاعد على الكنبة، حاطط رجل على رجل، وقدامه كاس مياه مثلجة، وبكل برود كان بيلعب في تليفونه.
مراته مكنتش موجودة، وعاصم الألفي مكنش ليه أي أثر في البيت، كأنه اختفى بعد فضيحـ . ـة النادي.
أمي مشت ناحيته وبدون أي مقدمـ . ـات، نزلت بكف إيدها على وشه بقلم سـ . ـمع في أركان الفيلا بنتي فين يا كريم؟ بنتي فين يا غـ . ـدّار؟
